/ صفحة 190 /
قال: واضح أنه تفضيل محدود زماناً ومكاناً وموضوعاً، فلقد كان التوحيد ولم يكن إسرائيل بعد.. ثم أن بني إسرائيل كفروا بنعمة الله عليهم، وجحدوا ميثاقه الذي واثقهم به، بل أنهم قارفوا الوثنية ورسولهم بين ظهرانيهم، أفلم يتخذوا عجلاً جسداً له خوار وقالوا هذا إلهكم وإله موسى؟ إن أصحاب التاريخ الوضعي الذين تبدي ويعيد في ذكرهم ليقررون أن التوتحيد ظل مزعزع الأركان في بني إسرائيل قروناً طويلة، فلم يستقر استقراره الأخير إلا نحو سنة خمسمائة قبل ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام.
ولكن كيف تسللنا من (حرب النار) والبعثتين اللتين خرجتا تبحثان عنها إلى بني إسرائيل، ماذا كان مصير ابن الفهد وصاحبيه، وابن العجل أو الثور وأخويه، و(جاملا) أو (جاميلا) التي تتبدى من خلال حروف اسمها جميلة من كان صاحبها ابن الفهد أو ابن الثور؟ أفلم ينته بك فصاصل الفرنسي إلى مستقر تلك الأنباء؟.
قلت: بل انتهى إلى أن ابن الفهد استطاع أن يكسب موقعة النار بعد عناء أي عناء، وأهوال أي أهوال، على أنه وفق توفيقاً لم يكن يخطر له على بال، فلقد تكشف له سر استخراج النار من شجرتها، وإن كان احتفظ به لنفسه، فلم يشأ أن يطلع عليه العشيرة التي عاد إليها يحمل النار حية مشتعلة، بيد أنه لم يبلغ قريباً من الحي حتى ظهر له ابن الثور وأخواه يريدانه، باسم القوة، التي ما كانوا ليعرفوا قانوناً غيرها ألا ينزل لهم عن كسبه هذا العظيم.. أن ابن الثور ليتخلب لعابه على بنت أخت رئيس العشيرة، فهي الثمن أو جائزة الفوز لمن يدفيء العشيرة، ويسعد في إنضاج طعامها وحفظها أن تتخطفها السباع جراء غياب هذا الحيوان النافع الضار.. فلقد كان القوم حينذاك (استحيائيين) بلغة الاصطلاح، أعني أنهم يضفون الحياة على النار والحجر والشجر وسائر صنوف الجماد، فكل شيء عندهم حي حتى الأموات الذين ماينفكون يزورونهم في الأحلام، ذلك بأنهم كانوا ليفرقوا ين الرؤيا في النوم وبين الرأى، رأي العين في اليقظة، ولكن ابن الفهد كان شجاعاً باسلاً لا يعنيه أن يلاقي ابن الثور نوماً أو يقظة، فلم يتردد في أن ينازله وأخويه ويقتلهم جميعاً، والظاهر أن (جاميلا) كان يسرها أن ينتهي الأمر هذه