/ صفحة 189 /
ما ينفك يرشدهم حتى انتقل إلى بارئه علقوا ذكراه، وبدأوا يقدسونه قداسة شبه إلاهية ثم إلاهية، وعسى أن تكون له ذرية يتناولها التقديس كذلك، ولا تلبث الصور والتماثيل أو الأوثان والأصنام أن تتخذ أماكنها في المعابد أو الهياكل.. على أن أصل الهداية مهما يقدم به العهد فهو لابد واجد متنفساً أو متسرباً إلى نفوس ذوى الألباب، إن هذا التوحيد الإفريقي أو الإسترالي لابد منته إلى رسالة قديمة، فلست تزعم بطبيعة الحال أن القوم أعملوا عقولهم فوصلوا إليه، كلا فهم قد أعملوها إلا أنهم وصلوا بها إلى التعدد والوثنية، أو ما تسمية الطوطمية، وأسميه (التميمية) أفليس عندنا (بنو أسد) و(بنو كلب) و(ثعلب) و(أنمار) أو لم يكن لهم جميعاً (تمائم) نيطت عليهم أيام الطفولة فخفظتهم من تحوايل الحدثان:
وأول أرض مس جسمي ترابها بلاد بها نيطت على تمائمي
هذا ولا يفوتنك أن ذلك التوحيد توحيد (السود) في العالم القديم (والحمر) فيما اصطلح على تسميته العالم الجديد.
قد انتفى أن يكون مرده إلى عقول العقلاء وحكمة الحكماء من (الهوتنتوت) وأشباه (الهوتنتوت) وإنه لمنتف كذلك أن ترده إلى الإسلام أو النصرانية أو اليهودية، فليس بين معتنقي تلك الأديان وبين أولئك المتخلفين أسباب متصلة أو كانت متصلة فيما يعلم أصحاب التاريخ، فليس ثم إلا احتمال واحد يفرض نفسه فرضاً بالضرورة.. ذلك أنه ينتمي إلى وحي قديم أوحى الله به سبحانه وتعالى إلى من أوحى من رسله الذين قال فيهم مخاطباً خاتم الأنبياء والمرسلين: (منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك) أجل، فإنه (جل وعلا) لم يؤثر قوماً على قوم، أو لوناً على لون، بل اتصل بخلقه جميعاً عن طريق رسله مذ كان على الأرض آدميون، أو أناس مكلفون: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفق منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً) أفلم يحدثنا القرآن الكريم عن إرسال آدم ونوح وإبراهيم وعن قرون بينهم كثير؟.
قلت: إذن فما دلالة أنه سبحانه وتعالى فضل بني إسرائيل على العالمين؟ أفليس مؤداه أنه آثرهم بنعمة التوحيد في حين أن غيرهم من الناس مترد في حمأة التعدد؟.