/ صفحة 188 /
لهذا الحيوان أو الجدل القبلي الأعلى؟ وماذا لو قلنا تميمة وتميم أو تمائم بدل طوطم وطواطم؟ أم تراني أخرف، وعسى أن تكون الأمة العربية من تلك الأمم التي لم تمر بطور الطوطم.
قلت: فأصحاب تاريخ الأديان الوضعي يرونه ـ كما أسلفنا ـ طوراً لازماً، أفلم تقرأوا الفلسفة الوضعية وتاريخ الأديان والأطوار التي مرت بها الفكرة الدينية، أفليس الدين ظاهرة اجتماعية كغيرها من الظواهر بدأت بسيطة ثم أخذت تتعقد مع مرور الزمن.
قال: فهم على النقيض يرونها بدأت معقدة ثم انتهت إلى بساطة التوحيد.
قلت: يحضرني لهذه المناسبة ما قرأته للأستاذ (بيير ربيم) في كتابه (التاريخ العام للأديان) فهو يروي عن (ديلافوس) أن في أفريقية الغربية ديناً سامياً ـ من السمو لا السامية ـ يحجبه عن أعين الغربيين ما تراكم عليه من الوثنيات حجباً غير مستحكم، يمكن أن تلمح خلاله هذا الدين القويم، فالسكان هناك يؤمنون بإله واحد خلق كل شيء، خلق الكون كله بجميع ما يحتويه من ماديات ومعنويات، والجدير بالملاحظة حقاً أن القوم على بدائيتهم يفرقون بين المادي والمعنوي، ولا يدق على أذهانهم أن الخلق عمل ينصب لا على ما يقع عليه الحس فحسب، بل على المجردات أيضاً، والخالق نفسه فيما يرون روح مجرد، بيد أنهم من حيث العبارة يخلطون بينه وبين السماء، وإذا كانوا لا يتجهون بالعبادة أو الدعاء إلى هذا الإله الأحد خالق كل شيء، فذلك يعني أن نظرتهم إليه تشبه نظرة الإغريق القدامى إلى (القدر) على أن مما يزيد في عناء الباحث ويجعل مهمته متعسرة أو متعذرة ذلك الطابع السري الذي يميز الجماعات الدينية هناك.
قال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، فليس خفياً أن التوحيد هو الأصل عند تلك الجماعات البدائية التي لم تثبت بعد أن طال عليها الأمد أو زمن الفترة إن استسلمت إلى التعدد والوثنية والطوطمية أو ما شاء الشيطان من سبل الضلال.. إن الإنحراف عن جادة الصواب أمر سهل وقوعه يسير تصوره، فهؤلاء قوم أرسل الله إليهم رسولاً مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فهو
