/ صفحة 186 /
ببعض العشائر والقابائل، أجل. فنحن نحب الآن في عصرنا هذا قبائل بدائية إفريقية وغير إفريقية وثنية لا تعرف شيئاً عن الطوطمة قل أو كثر، فأما القبائل أو العشائر ذوات الطواطم فإنها لا تعطي طواطمها اختصاصات إلاهية، بل حدها قربى الدم التي تجمعها والحيوان أو النبات الطواطم، تلك هي الحال في أيامنا هذه.. ولكن مؤرخي الأديان رأوا الشعوب القديمة كالإغريق والمصريين عبدت الحيوان فاستنتجوا أن تلك العبادة مردها أصلاً إلى الطواطمة التي ما تزال قائمة حتى أيامنا هذه، فهي إذن سنة إنسانية، أو طور عام لا تخلو جماعة آدمية من أن تكون مرت به، ثم تجاوزته أو لزمته فلم تبرحه كبعض سكان أمريكا الشمالية الأصليين، إن المسألة لا تعدو أن تكون احتمالاً رجحوه، ومن يدري فعسى أن يقلب شأن شؤونا فلا يلبث الراجح أن ينقلب مرجوحاً، وتبين مثلاً أن المصريين الأقدمين عبدوا (أبيس) دون أن يمروا بطور الطوطمة، وأن (زيس) إله آلهة الإغريق كان يحلو له أن يتزين أحياناً برأس نسر دون أن يكون لذلك علاقة بطوطمة سابقة.
قلت: إن دراسة التاريخ القديم تقوم على (الحدس) أو الألمعية التي تجعل صاحبها (يظن بك الظين) كان قد رأى وقد سمعا، أفلم يقل (رينان) نفسه أنه وأضرابه صناع مصنع ما ينفك يقام ليهدم ثم يعاد بناؤه من جديد.
قال: حذار من تحريف الكلم عن مواضعه، أو استعمال الألفاظ المبهمة، أو التي اكتسبت لوناً جديداً يضاف إلى ألوانها القديمة، إلا أن العين لم تتألفه بعد فهي ما تزال تخطئه أو تزوغ عنه، ولقد لكلمة (حدس) عندنا في العربية بعد أن ترجمت بها كلمة (برجسون) الفرنسية مدلول اصطلاحي فلسفي، فهي تعني ما يسميه أبو حامد الغزالي رضي الله عنه عين البصيرة، نعم فإن برجسون يحدثك عن معلومات أو سمها إن شئت (فيوضات) باطنية تستمد من الداخل استمداداً ثابتاً يقينياً أدق وأصفى مما يستنبطه العقل عن طريق القياس المنطقي، أفليس ذلك هو الإلهام؟ ولكنك تعلم طبعاً أن الوضعيين يبتسمون لهذه المعارف الحيوانية، وكيف تريدهم على أن يتذوقوا شيئاً يتطلب تذوقه حاسة خاصة هم قد حرموها،
