/ صفحة 184 /
أنسيت مسألة البيضة والدجاجة أيتهما أسبق وجوداً؟ إنه لا سبيل إلى معرفة البدايات، وأحسبني في هذا الصدد مقتنعاً أتم الاقتناع بقوله تعالى: (ما أشهدتم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم) ولست أرتاب في أنه جل شأنه كذلك لم يشهدهم خلق الدجاجة والبيضة ولا خلق اللغة، إنه لطريف حقاً ذلك البحاثة الأوربي الذي قال: إن اختراع اللغة يستلزم أداة ضرورية هي اللغة نفسها.. أجل فليست نظرية التوقيف، أو بعبارة أخرى إلهام الله الإنسان البيان مجرد ورع ديني كما يحلو لبعضهم أن يقول، ولكنها شيء تضطر إليه بعض العقول اضطراراً لا اختيار لها فيه ما دامت اللغة هي الأداة الضرورية لاختراع اللغة، ولكن فقه اللغة شغلنا عن موضوعنا الذي كنا نعالجه، أفلم تكن تقص على قصص العشيرة التي خمدت نارها؟.
قلت: نعم فبعد أن حسب رئيس العشيرة على أصابع يديه ورجليه حسب المحاربين الذين فقدهم فرغ لحديث النار إلى انطفأت، فماذا تراهم فاعلين؟ أفيحيحون حياتهم كلها لادفء ولا انضاج طعام؟ وأدهى من ذلك وأمر ن الذئاب والكلاب الوحشية والضباع والنمور والفهود وسائر الضواري ستجرؤ عليهم، فليس غير الناس ما يصدها عنهم إذا أردف الليل اعجازه وناء بكلكله، إذن لابد مما ليس منه بد تقوم (بعثة) أو (سرية) تبحث عن النار في مظانها المختلفة، ويتشاور القوم فيما بينهم ويقر قرارهم على أن (ابن الفهد) خير من يحمل تلك التبعة التي ندب لها، واختار اثنين يصحبانه في تلك الرحلة، بيد أن (ابن الثور) يغضب ويريد أن ينقض على ابن الفهد ليمثل به، ولكن هذا ليس أقل منه شجاعة ولا قوة عضل.. ويقوم شي حكيم مبيناً للملأ أن العشيرة فقدت كثيراً من محاربيها الأشداء، وأن (ابن الفهد) و(ابن الثور) كليهما لازم بقاؤه لخير الجماعة، فليذهب كل منهما في وجه عسى أن يوفق فيكسب النار.. ويعلن الرئيس أن (جاملا) بنت أخته أجمل فتيات العشيرة ستكون حظ لذي يجئ بالنار، وكذلك يولي ابن الثور وأخواه وكلهم ذو بأس شديد وجهة، وابن الفهد واللذان اختارهما وجهة أخرى.
قال: واضح أنهم كانوا ينسبون إلى جد أعلى غيرحيوان ناطق.
