/ صفحة 183 /
في عروقها ليس دم فصيلته ـ أعني الفصيلة بمعناها اللغوي لا بمعناها الاصطلاحي الحديث ـ فالأجنبي ليس به حاجة إلى صفة أخرى كيما يكون عدوا، أفلا تلمح هذا في لغتنا العربية، أفليس (العدو) من: ع د و. أنه كل من عداك، أو عدا العشيرة التي أنت منها.
قلت: أعرف أن عدا يعدو عدواً: أسرع في مشيته، وأن اعتدى عليه يعتدي اعتداء: نال منه أو تعدى عليه أو ظلمه، قال تعالى وكرر القول: (ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).
قال: أوليست تعدي أخت عدا؟ إنك لتعلم، أو عسى ألا تعلم، فلست أدري، إن الماديات في اللغة أسبق وضعاً من المعنويات، فأنت تقول: عدا عليه أي جرى نحوه، بيد أنه لا يجري نحوه إلا ليقتله أو يأسره أو ينال منه نيلاً أيا ما كان، ثم أجد اللفظ يكتسب سماته المميزه، ومعانيه أو طلاله المختلفة التي نعرفها الآن، فأنت تعدو الآن دون أن تعدو ـ إن صح هذا التعبير ـ أعني تعتدي وأنت قاعد أو جالس أو نائم، أليس الشتم والسب عدواناً؟ بلى وإنه لعدوان مبين تستطيع أن تنال به الواحد والعشرة والألف بل الإنسانية كلها وأنت مضطجع ناعم البال، إن (العدو) و(العداء) كليهما صيغة مبالغة من (ع د و) ولكنك تعرف الفارق الكبير بينهما، فالأول يعتدي على غيره، فيحن أن الثاني لا يزيد على أن يعدو عدواً شديداً أو كثيراً، أي يجري ما شاء الله أن يجري أو يضرب في الأرض دون أن يلحق الناس أو غير الناس منه أذى، أفتحسب هذه المعاني والتفريعات المتباينة كان اللفظ يتضمنها جميعاً حين وضع أول ما وضع؟.
قلت: ولم لا إن كان الإنسان علم البيان توقيفاً كما يرى ذلك بعض فقهاء اللغة، لا أعني اللغة العربية وحدها، بل سائر اللغات، فهي نظرية عامة في فقه اللغات الحضارية.
قال: تستطيع أن تثرثر في هذا الموضوع كما ثرثر فقهاء اللغة قديماً وحديثاً، وأحسبهم ما زالوا يثرثرون، ولن تنتهي المناقشة أبد الآبدين ودهر الداهرين،
