/ صفحة 168 /
ثم يقولون إن القرآن لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبعي في إيراد الأحداث وتصويرها، وإنما كان يخالف في هذا الترتيب ويجاوزه(1)، يذكر ذلك شاهداً على عدم التزام القرآن واقع التاريخ، ويقرنونه بما ادعوا على كتاب الله من تقول وافتراء، وقد قلنا من قبل إنه لا ضير على القرآن في ذلك، فهو لم يأخذ نفسه بمدرسية التاريخ، ولكننا نؤكد هنا أيضاً أن كل ما ذكر من أنباء متصلة بالأمم والرسل حقائق واقعية لا شك فيها.
ثم يقولون من شواهد مخالفة القرآن أنه عندهم يناقض نفسه، فهو يسند بعض الأحداث لا بأس بأعيانهم في موطن، ثم يسند نفس الأحداث ليغير هؤلاء الأشخاص في مواطن آخر، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: (قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عظيم) إ نراه في سورة الشعراء مقولاً على لسان فرعون نفسه: (قال للملأ حوله إن هذا لساحر عظيم) وكذلك قصة إبراهيم في سورة هود أن البشرى بالغلام كانت لامرأته، بينما كانت البشرى لإبراهيم نفسه في سورة الحجر وفي سورة الذاريات.
أما عن آيات فرعون وقومه:
1 ـ فمن المعقول جداً أن يرمي موسى بالسحر كل من فرعون وقومه في موطن واحد، والقرآن الكريم روى كلام فرعون في موضع وكلام قومه في موضع آخر.
2 ـ على أن الرازي في تفسيره(2)، أورد هذه الشبهة ثم قال: وجوابها من وجهين:
الأول: لا يمتنع أنه قاله هو وقالوه هم فحكى الله تعالى قوله ثم وقولهم هنا ـ أقول وهذا الوجه من الرازي هو ما سميناه نحن بالتكامل بين القصص المتكررة في القرآن.
ــــــــــ
() راجع أمثلة ذلك في قصة لوط في الحجر/ 61 ـ 73، وفي هود/ 77 ـ 83 لترى ترتيب كل قصة للأحداث حسب مقتضى الحال، وهو أمر متفق تماماً مع منهج القرآن الكريم في قصصه كما ذكر في المقال الثاني.
(2) جزء 5 ص396.
