/ صفحة 177 /
ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد، أن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)(1) ، عقبوا على هذه الآيات بقولهم: (فهذا القول، وهذا الحوار تصوير لموقف لم يحدث بعد، بل لعله لن يحدث).
فأما أن الإنسان يتحكم فيما سيحدث في الآخرة، وفيما يكون بين الله ورسوله عيسى، فذلك اجتراء ضال غير معقول ما دمنا مسلمين مصدقين بكتاب الله، وهذا المعنى مجال القول فيه ذو سعة، وأما أن القرآن يعبر عما سيقع بلفظ الماضي استيقاناً لحصوله، فهو مذهب في الكلام بليغ، كقوله تعالى: (أتي أمر الله فلا تستعجلوه)(2) ، وفي معرض الحديث عن أعداء الله في الآخرة يقول الله تعالى: (وقالوا الجلودهم لم شهدتم علينا، قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون)(3) ، على معنى سوف يقولون لجلودهم، إذ الأمر لا يعدو أن يكون استحضاراً لما يقع في المستقبل، كما قد يكون أحياناً استحضاراً للماضي فيعبر عنه بصيغة الفعل المضارع.
23ـ وإذا كان القرآن الكريم لا يلتزم في قصصه المقومات التاريخية، فليس من الإنصاف أن نأخذ عليه إهماله ذكر الزمان أو المكان أو حتى الأشخاص، ذلك أن القرآن ـ كما قلنا ـ بقصد توا إلى مواطن العبرة والعظة، وقد كنا في غنى عن ذكر هذه الملاحظة وأشباهها، لو لا أنهم يوردونها شاهداً على خروج القرآن على واقع التاريخ، ولكنهم يوردونها مقترنة بما سبق أن ادعوا به على القرآن التقول بما لم يكن وبما لن يكون، وكذلك الشأن في عدم استقصاء القصة في القرآن، وفي عمده إلى التكرار حسب المقامات، فذلك دأبه أو منهجه كما قدمنا في المقال الثاني من هذه الفصول.
ــــــــــ
() المائدة/ 166 ـ 188.
(2) النحل/1.
(3) فصلت/21.
