/ صفحة 176 /
ثم عقبوا على هذه الآية بقولهم: (وليس من شك في أن اليهود ينكرون رسالة عيسى، ومن أجل ذلك قتلوه، فهم لم يقولوا هذا القول ـ رسول الله ـ وإثماً أنطقهم به القرآن) وهنا نجدهم يقولون بأن اليهود قتلوا عيسى خلافاً لنص القرآن الكريم الذي يقول: (وما قتلوه وما صلبوه) ثم يدعون على القرآن بالكذب على اليهود وإنطاقهم بما لم ينطقوا به.
وهذا الذي قالوه جهل وضلال، فإن كلمة ـ رسول الله ـ إما أنها من قول الله تعالى تعظيماً لعيسى وتنزيهاً له عما نسبوه إليه من أنهم قتلوه ومن غير ذلك، وإنما أنها من قول اليهود أنفسهم سخرية بعيسى الذي عصوه وشاقوه، وهذا التفسير بديهي جداً لا يعوزه فكر عبقري ليصل إليه، ومن عجب أن ينقلوا عن الكشاف عبارة في صدد هذه الآية ظناً منهم أنها تثبت ما يدعون، ونحن ننقل هنا عبارة الكشاف بنصها: (فإن قلت كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح بن مريم رسول الله؟ قلت: قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ـ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون ـ ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله)(1) ، وكلام الكشاف صريح في أن الله يضع من عنده تعالى لفظ ـ رسول الله ـ تعظيماً لعيسى وتنزيهاً له عما نسبوه إليه من سوء، وكأن أولئك فهموا أن الله يضع ذلك على ألسنة اليهود، وهذا فساد في الذوق، وخطأ في فهم أساليب اللغة، فوق ما في ذلك من ضلال مبين.
والقرآن عند هؤلاء الخصوم يتقول ما لن يحدث، وهو بذلك عندهم يخالف الواقع التاريخي ويخرج على مقراراته، ومن ذلك عندهم قوله في قصة عيسى في آخر سورة المائدة وصفاً لموقف في الآخرة: (وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول
ــــــــــ
() الكشاف: ج1 ص311/ط مصطفى محمد سنة 1354هـ.
