/ صفحة 170 /
والمسيحية، بحيث يكون من حقنا هنا أن نقول أن الشرق هو الذي فتح فاتحية.. ثم جاء الإسلام أخير فتغير ما بين يوم وليلة، لا الواجهة السياسية والإقتصادية في كبريات المدن هذه المرة، بل الروح الإنساني في أعمق أعماقه عند الشعوب كلها، فاللغة والفكر والقانون والأماني والعرف وتصور الخلق والخالق كل أولئك تحول دفعة واحدة.
وهذا الفتح الروحي لم يستول على النفوس التي خامرها بطريقة صالحة لدوام البقاء فحسب، ولكنه يجنح إلى الكسب الجديد حيثما ترك يعرض نفسه في أي مكان ببساطته وصفائه الأولين، وتلك مشاهدة لا يساوقها إلا نشوزاً ذلك الرأي الشائع من أن الإسلام لم يعم إلا بحد السلاح.
أفليس نفوذه الفعال في أيامنا هذه دليلاً يقع تحت الحس علي أنه يعمل بقوة باطنية وصلة خاصة بالطبيعة البشرية وحقائق الأشياء؟ نعم إن القوي المناوئة في زمن مضى بما أفعمت من كره. وما عمدت إليه من وسائل العنف في إضطهاد الدعوة الناشئة وإرهاقها قد اضطرتها إلى أن تقاوم لتضع حداً لذلك الظلم الذي كان قد استمر زمناً جد كاف، وما أن أعلنت المقاومة حتى قامت القوى المعادية من كل جانب تأتلف ضد هذا النظام الجديد الذي يريد أن يقوم مقامها.. وتتوالى الضربات إثر الضربات، ويكون لزاماً أن تنقضي زمان قبل أن ستقر السلام.
وإذا نظرنا في الأمور كما هي فلن يسمح لنا شيء أن نرى في تلك المأساة العامل الجوهري أو العمدي في انتشار رسالة الإسلام، فإن السنين العشر الأولى للدعوة المحمدية ترينا أنه على الرغم من كل العقبات كان مجرد عرض الدعوة يكسب مؤمنين جدداً كل يوم، كما يشهدنا كذلك بأية شجاعة وعظمة احتمل الرسول وأتباعه لا سخرية مواطنيهم وإهاناتهم فحسب، بل العزل والمنع من أي اتصال بالشعب، وأحياناً التعذيب والمثلات في أبشع صورها (16 ـ 106 و29 ـ 10) مما اضطر كثيراً من المسلمين الأولين ـ ومنهم بض الأشراف كعثمان، وبنت أبي سفيان أم حبيبة إلى أن يبحثوا عن ملجأ (16 ـ 110) عند ملك الحبشة، ولكن مضرب المثل العجيب في ذلك العهد، والذي يدل على الأمر الإعجازي إلى أبعد حد لتلك
