/ صفحة 171 /
الدعوة السليمة إنما هو أهل يثرب التي سميت بعد المدينة.. فقبل أن يروا وجه الرسول أو يسمعوا صوته بزمن طويل، بل لمجرد سماع الدعوة القرآنية عن طريق حجاجهم استقبلها عرب المدينة بما شاء الله من حفاوة، حتى لم يبق أسره ليس فيها كثير من المؤمنين، أكثر من هذا فإن العداوة المضطرمة بينهم منذ ربع قرن(1)، خمدت فجأة كأن ريحاً إلهية أتت عليها (8 ـ 63) فانقلبوا من أعداء الداء إلى أخوة أشقاء (3 ـ 103) وفي نفس الوقت فإن النظم الإسلامية التي ما كان يمكن أن تزوال علانية في مكة بدأت تباشر جماعة وفي وضع النهار (وكذلك أقام أبو إمامة صلاة الجمعة قبل الهجرة بسنة) في هذه المدينة الحفية المضيافة، وعما قريب سيستقبل هنا المؤمنون كلهم تقريباً بعد أن تركوا بيوتهم وأموالهم (59 ـ 8) واضطهدوا كثيراً أو قليلاً بمكة.
وحتى الآن كان كل شيء يمر في سلام ووقار من ناحية المسلمين في الأقل، فلا شيء يدل على أن القوم سيحتكمون إلى القوة، وبعد أن اطمأن الرسول على مصير أصحابه ووصولهم سالمين، وعلى الرغم من الخطر الذي يتهدد شخصه لم يتعجل اللحاق بهم، فلم يكن يريد أن يغادر مركز أداء واجبه دون إذن صريح من الوحي، معتقداً أنه يجب عليه أن يمد بقاءه، وأن يوالي دعوته في البلد الذي ولد فيه حيث بقى وحده مع صديقين: أبي بكر وعلي.
وفي ليلة المؤامرة المدبرة على حياته تلقي وحياً، الأمر الإلهي بالرحلة.. بل أنه في الساعة التي بدأ فيها تنفيذ المؤامرة الدنيئة غادر المدنية سراً بصحبة أبي بكر أحد الصحابيين، ووكل إلى الآخر مهمة تعفيه آثاره.. وبعد النجاة الإعجازية أما كان واجبه أن يفكر في الإنتقام من أعدائه أولئك الذين أرادوا قتله؟ كلا، وإذا تتبعنا مراحل نشاطه في السنة الأولى من الهجرة، وجزء كبير من الثانية فإننا نجد جهوده ـ على العكس ـ متوفرة على الأعمال القدسية والبنائية: بناء المسجد، تنظيم أحكام الصوم، وضع نظام الآذان للصلاة، التنظيم الداخلي السلمي للمجتمع؛ فكل شيء حتى هذه اللحظة كان يدل على أن المسلمين سيولون ظهورهم، حتى في

ــــــــــ
() لا مانس: عهد الإسلام قبيل الهجرة ص265.