/ صفحة 169 /
أي أثر، وأننا لن نذهب إلى حد القول بأن عمل الإسكندر لم يكن إلا لغوا مطلقاً، فلقد رصع في الأقل طريق الشرق بسلسلة من المدن الجميلة التي ازدهرت بها الحياة الإقتصادية، وهذا صحيح وليس أقل منه صحة أن هذا العمل لم يتعد حدود المدن، فإن كتلة الشعوب أو الفلاحين الذين قيل بحق أن من لم يفتح قلوبهم لم يفتح شيئاً، قد احتفظوا بطوابعهم الخاصة: اللغة والعادات والنظام السياسي والإقتصادي كما هي لم تمس، بل كان الأمر كذلك في المدن نفسها، فإن (الهلينية) ممثلة في الجهاز الإداري لم تنعمق إلا عند قلة من الطبقة المتوسطة (البرجوازية) أفنحن في حاجة إلى القول بأن المستعمرين اليونانيين لم يلبثوا أن أعطوا بأيديهم واستسلموا لفاتحين جدد، فما لبثت تلك المدن أن أفلست تدريجياً تحت الإمبراطورية الرومانية… وكيما تكون لك فكرة عن هذا الطابع العرضي لتلك العمارة غير المتناسقة يكفي أن تذكر بعض التواريخ المعروفة، فمعلوم أنه بعد نحو عشرين سنة من موت الإسكندر تقطعت إمبراطوريته إلى ثلاث ممالك سنة 301، قبل الميلاد، ثم تمت على التدريج عملية تقطيع يمكن رسمها هكذا: بعد خمسين سنة أخذ البرثيون آسيا العيا (سنة 250) وبعد ستين سنة تسقط آسيا الصغرى تحت السيطرة الرومانية (190) ثم نحو خمسين سنة وترى فلسطين تكون دولة يهودية مستقلة (144ـ 64) وفي نحو التاريخ نفسه تجد الدولة الأم نفسها (اليونان سنة 164)، ومقدونيا سنة 142)، تنحدر إقليماً رومانياً، وإذا بقيت الملكية المصرية أطول مدة بعيداً فلم تقع تحت نير رومية إلا سنة 31، فان انهيارها السياسى كان قد بدا بعد الثلاثه البطالسة الاول سنة 221, ولكن المشكلة الحقيقية ليست هنا، فنحن إذا نحينا جانباً المظهر المادي للمدنية، ودخلنا في حين الفكر، فإن مما لا شك فيه أن الفاتح المقدوني بدل أن ينقل معه التصورات اليونانية تبنى في بساطة تامة الأفكار الشائعة في البلاد المفتوحة وتسلل إلى آلهتها.. وورثته مثله لم يتطوروا في هذه السبيل، وبصفة عامة في العهدين اليوناني والروماني نجد الأفكار الفلسفية والدينية ـ وكانت جد مزدهرة حينذاك في الشرق وبخاصة في الإسكندرية ـ ليست صادرات هلينية، بل نجدها في جوهرها الدعوات شرقية استخدمت اللغة اليونانية لتنقل إلى أوربا بإسم الإفلاطونية الجديدة