/ صفحة 168 /
تلك النسخ الخاصة له مظهر عنيف حينذاك إذ لم يكن شاب القرآن أية شائبة، فهو يكشف إلى أي حد كان الخليفة صائب النظر بعيده(1)، فإن المسلمين مدينون لهذا العلم الإلهامي بوحدة كتابهم المقدس وثباته… فليضف إليه فيما بعد ما يراد من القواعد والعلامات الخارجية (التي اخترعها أبو السعود الدولي وأتباعه نصر ابن عاصم ويحيى بن يعمر والحسن البصري والخليل بن أحمد) فإن الجسم مع هذا باق أبداً ثابت يتحدى حدثان الزمان.
إن بقاء بعض الحروف الزائدة والكلمات المشتبكة في نسخ القرآن مخطوطة ومطبوعة حسب قواعد الإملاء العتيقة التي احتفظ بها في الكتابة القرآنية لشهادة بليغة على تلك الأمانة التقية التي انتقل بها ذلك الأثر الخالد من جيل إلى جيل حتى انتهى إلينا.
الباب الثالث:
كيف بلغت رسالة الإسلام للعالم:
كل الناس تعرف في الجملة ماذا تكون رسالة القرآن التي تسمى الإسلام، ولكنهم يعرفونها معرفة كثيراً ما تغلو في الإعتماد على حد ظاهري.
أنها ذلك الإصلاح الديني الإجتماعي الخلقي الذي ما أن ولد على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر في بداية القرن السابع من التاريخ الميلادي حتى مضى قدماً منتصرا نحو الشمال والجنوب والشرق والغرب , وها هو ذا في زمن جد قصير نسبيا , يسود على نصب العالم المعروف حينذاك. حدث لم يسبق له مثيل في التاريخ، و هو ما ينفك يسترعى انتباه الانسانية ويستثير استطلاع مؤرخى السنن والاديان , وعبثاً يحاولون أن يجدوا له نظيراً في التاريخ القديم، موازنين بينه وبين فتح الإسكندر الأكبر أحياناً، الذي كان انتشاره سريعاً حقاً، ولكنه لم يحدث أي تغيير، لا في تفكير الأمم ولا في عاداتها، ولأول نسمة من الإسلام ولي ولم يبق وراءه
ــــــــــ
() على أنه لم يقم بهذا العلم من تلقاء نفسه دون مشورة الأمة: ففي خطاب انتهت دراسة أصحاب المصاحف إلى الإعتراف بصحته، حيث يدافع خلف الخليفة عن هوي سلفه الإمام: لو أن عثمان لم يتممه لأتممته أنا (دود ص12 و22).
