/ صفحة 139 /
بيننا ولا شك تصور شائع قديم الجذور متشائم النظرة يرى عجلة الزمن تعدو بالناس بعيداً عن نور القرآن، وأنهم كلما لج بهم العبد عن عهد تلك الإشراقة العظيمة التي نزل فيها القرآن قل حظهم حظهم من الهداية والفلاح والخير، وأن كل جيل من المسلمين لا بد واجد نفسه أقل خيراً من الجيل الذي سبقه وأكثر خيراً ممن يأتون بعده، وأن الأجيال المتأخرة ومنها الأجيال الحاضرة لم يعد يجوز لهم أن يحاولوا بأنفسهم ولأنفسهم فهم القرآن، وامتراء الزاد الروحي من مائدته مباشرة، بل حسبهم ويكفيهم أن يحاولوا فهم الذين فهموا القرآن من السلف الصالح من العلماء، وهذا التصور المتشائم يعتقد أن الإسلام قد استنفذ أفضل أيامة ومر بها من أل وثلثمائة سنة، وأنه بعد أن بلغ أوجه في ذلك الماضي البعيد دخل على مكانته النقص وتدهورت حاله، وأن دوران الأرض إذا يزيد المسلمين بعداً عن مصدر النور يزيدهم ظلمة ويزيد بهم حال الإسلام تدهوراً، وأن الخير كله كان في الماضي لدى السلف الصالح، والشر كله في الحاضر لدى هذا الخلف الضال، وأن سفينة العالم يوشك أن يبتلعها أليم لكثرة ما عليها من أوضار وأشرار، والمسلم السعيد الناجي من خرج منها بقلبه قبل أن تفارق روحه جسده.
هذا التصور المتشائم ليس ري الإسلام ذاته، وإنما تصور أجيال من المسلمين عانت حياة شقية وحاضراً تعساً بالنسبة لها، غلب عليه الشر وساد فيه الأشرار، إذ لا شك أن تقديسنا للماضي طريق نعبر به عن رأينا في الحاضر وحكمنا عليه، وأننا في أعماقنا نرفضه رغم أننا نعبش فيه ونمارس في ظله حياتنا. وفي جبلة البشر الاعتزز بالماضي والفخر بالآباء، ولكن حب الناس لآبائهم وأسلافهم لا يتحول إلى تقديس عنيد شبيه بالتأليه إلا حين يعيشون لمدة طويلة في بيئة مزعجة يشعرون فيها بدوام الخوف والقلق، ويحسون فيها بهزيمة الخير والمحبة والحق، وباليأس من إمكان مقاومة الشر والأشرار، فيتجهون بقولبهم وخيالهم إلى الماضي ليجدوا فيه ما لا يجدونه في حاضرهم من أسباب العراء وصور الخير والصلاح والفضيلة والحق، مما يرد عليهم شيئاً من الثقة في الحياة ويعينهم على الإستمرر في حمل عبثها.
