/ صفحة 140 /
إن تقديسنا للماضي يعكس صورة هزيمتنا في الحاضر، ويأسنا من قدرتنا علي التخلص من سيطرة الأشرار في أي مستقبل معقول، وبأي جهود معقولة، إنه يسجل تخلينا عن الإشتغال بمقاومة الشر بغير الرفض الداخلي والعناد النفسي، وعن محاربته، لأن الإشتغال الفعلي بمحاربة الشر يشغل أصحابه بفكرة الإنتصار وما عسى أن يترتب على الإنتصار من نتائج، أي يشغلهم بالمستقبل ويلفتهم إليه أكثر مما يلفتهم إلي الماضي، إن الناس يقبضون على ماضيهم بعناد وإصرار وتعصب حين ل ينجح الحاضر في اكتساب ثقتهم، وحين ينفرهم هذا الحاضر ويزعجهم، وحين يحسون أن القيم التي يعتقدون أنها ضرورية ولازمة للحياة الحسنة الكريمة غير مصونة ولا محترمة وأن من العسير صيانتها والدفاع عنها.
هذا فيما يبدو هو التفسير الأشبه بالصواب لهذه النظرة المتشائمة التي يعتمد عليها أعداء الإسلام في إتهامه بالإتجاه إلى الماضي.
نعم إن المسلمين يكبرون عصر النبوة وأمجاد الإسلام وأئمته وأعلامه، وهذا الاكبار طبيعي ومعقول، وهو لا يقتضي تلك النظرة المتشائمة اليائسة ولا يبررها، والله سبحانه وتعالى لم يبعث محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله من أجل عصر واحد، ولا لزمن واحد بعينه، ولا قصر سبحانه رقى النوع الإنساني علي جيل بعينه ولا علي الأمة بعينها، وإنما بعث تبارك وتعالي رسوله إلي كل إنسان كان ويكون وسيكون درجة، وشرع سبحانه الإسلام لتتعاقب أجيال المسلمين ويتكاثورا ويتكاثر بهم الخير والبركة في الدنيا والآخرة، وليحمل الأول منهم الآخر إلى ما هو أفضل، وليسوق ماضيهم مستقبلهم أمامهم إلى ما هو أكمل، وليستجيب الله دعاء المسلمين فيجيء الأولاد خيراً من الآباء، والأحفاد خيراً من الأولاد إلى آخر الزمان إن شاء الله.
فالإسلام يرى في المسلم ذريته، ويرقب في حاضره مستقبله ومستقبلهم فس ظل محدود من الرجاء والثقة في الله. (يتبع).