/ صفحة 138 /
الأحيان أو أغلبها أجوف كثير الفضول والضوضاء إذا قيس بكلام الأولين وما فيه من إحكام وأقتصد ووقار، وكلما أكثرنا من الكلام زاد ضعف القدرة على التوصيل في اللغة، وهو ضعف لا يمكن أن يتوقف إلا حين تربط الكلام بالواقع، والألفاظ بالأفعال، واللسان بالقلب والجوارح، أي إلا إذا قل إعتماد الدعوات الإسلامية على الصور البيانية ومدخرات الذاكرة والحافظة، وزاد اعتمادها على مخاطبة الناس بالحاضر الحي من المواقف والتصرفات والأفعال والسلوك.
إن وراء ميل معظمنا إلي الإشغال بالأغراض الضخمة، والإصلاحات الكلية فضلاً عن جاذبيتها بقية من فقدان الرجاء وضمور الإردة والهرب من ملاقة الواقع ومعاناته، إذا لأغراض الضخمة والإصلاحات الكلية شيء لا أستطيع أن أضطلع به أنا وأنت، ولا يقوى عليه أفراد المسلمين وإن أشتركوا وتعاونوا وتناهدوا، فما الذي يدفعني ويدفعك إلى الاعراض عن الممكن المقدور عليه إلي التماس الضخم الفخم الشامل الكلي إلا أن أكون أنا أو أنت قد فقدنا الرجاء والثقة في أن نستطيع عمل شيء ذي قيمه، وأصبحنا نلوذ بأمنية كبرى تقوم بتنفيذها قوة كبرى تكتسح كل من يعترض طريقها وما يعترضه، ويحجب عنا بريق هذه الأمنية ورواؤها وسحرها سوء مصيرنا ومنقلبا حين نتصبح في يد تلك القوة الكبرى المكتسحة، إن أفراد المسلمون لا يستطيعوا أن يصلحوا واقعهم مع المحافظة على حريتهم وحقوقهم التي كلفها الإسلام إلا إذا لاقوا واقعهم بأنفسهم، وعانوه بأشخاصهم منفردين ومشتركين في إصلاحات جزئية وأغراض معينة محدودة يكون استطاعتهم هم التعريف عليها والقيام على تنفيذها وتكرار ذلك مرة ومرات، يزداد خلالها المسلم تجربة وقوة إرادة، كما يزداد رجاء وثقة في نفسه وإخوانه، وفي رضاء الله سبحانه عنه وعنهم.
ولا يستطيع الباحث في مناهج الدعوات الإسلامية أن يغفل قضية اتجاه الإسلام، وهل هو يتجه إلى الماضي كما ينمي عليه خصومه أو يتجه إلى الأمام نحو المستقبل متخذاً من الماضي قوة تؤيده وتسدد خطاه كما يعتقد المستنيرون