/ صفحة 137 /
وكما حصل الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، حصل التمييز بين المتدين وبين المستقيم. فلم تعد البيئات الإسلامية تعتبر الندين مرادفاً للإستقامة ملازماً لها غير منفك عنها، لم يعد يلزم أن يكون المتدين مستقيماً، أو أن يكون المستقيم متديناً، ولا نقصد هنا بالمتدين ذلك الذي يتظاهر بالتدين رياء وتصنعاً، وإنما نقصد الإنسان الذي تميل نفسه إلى الأمور الدينية ويشعر برقة وتأثر عند ما يمارسها، ويجب أن يشارك في أنواع السلوك الديني المشترك ويهمه الدين فيفرح ويحزن من أجله.
والتدين بهذا المعنى استعداد عاطفي غير وثيق الصلة بالاعتياد على الإرادة وضبط النفس والفطنة، وهي مقومات الإستقامة.
وأحسب أن الإسلام يخسر كثيراً إن هو وقع في الشرك الذي وقعت فيه للمسيحية الغربية، واكتفى بهذا التدين وفرح بأولئك المتدينين ضعيفي الإرادة والإستقام، إنهم كانوا وما زالوا كثرة في بلاد الإسلام، وهم الآن جمهور عظيم يقبل على الدعوة القولية، ويحب أن يسمع ويقرأ الكلام في المسائل الدينية ليرضى استعداده العاطفي، ولا يستفيد مما يسمع أو يقرأ أكثر من هذا الرضاء.
وقد نتج عن طول سيادة الكلام وانفصال الدعوة القولية عن خطاب الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال والسلوك أن ضعفت قدرة اللغة الإسلامية على التوصيل، أضعفها كثرة الإستعمال خلال قرون عدة فيها جل وحقر، منفصلة في الغالب عن الحقيقة غير ممثلة للواقع ففقدت الكثير من هيبتها ورهبتها وشحناتها الشعورية، وليسأل أي منا نفسه أية رهبة يشعر بها حين ينطق أو يكتب لفظ (اللهم) أو يورد في كلامه المقول و المكتوب مثل عبارة: أشهد الله أو ما شاء الله أو الله أكبر أو يذكر الإيمان أو التوكل أو الحساب أو البعث أو الآخرة، وأمثال ذلك من كلم وتراكيب اللغة الإسلامية، إنه لا يكاد يحس ما يجب لها من رهبة، إلا أن يمر به ظرف غير عادي يوقظ لحظات شعوره بالمضمون الخطير لهذه اللغة، فنحن نستعمل في الدعوة لغة تحوج إلى الإطالة والإطناب واستعمال الترادف أو المتقارب لكي يعوض الإسهاب والإكثار عن ضعف قوة توصيل الألفاظ والتراكيب، وهو ما يجعل كلامنا في الدينيات وغيرها يبدو في بض
