/ صفحة 136 /
أو قوله حقت تقال، فضمرت الآمال والرجال، وضمرت الإرادة البشرية، وضاق أفقها قروناً عدة صفيت خلالها جهود السابقين المتفوقين، وتحجر ما لم يدركه الضياع من آثارهم كما تحجرت بقايا غابة أصابتها كارثة جيولوجية، وباتت الأجيال المسلمة المصابة بذلك الضمور النفسي والقلي والعاطفي تعبد تلك البقايا ولا تتجرأ ولا سمح لأحد بأن يتجرأ على تقليبها، واستغنى الناس بالأمنية عن الرجاء، وأكتفو في ظل الإرادة الضامرة المشلولة بالانتظار واعتادوا على الانتظار وعلى الترحيب بالقول الذي يعين عليه انتظاراً غير مصحوب بأي توتر ليس له آخر ولا نهاية: يولد الناس لينتظروا ويموتون وهم ينتظرون، هاربين دائماً من الرجاء الخصب إلى الأمنية الجدباء.
وخلال ذلك وقع الخلط بين بساطة الإسلام وبين السهولة، فاعتقد الناس أن الإسلام بسيط بمعنى أنه سهل لا يتقاضى من المسلم جهداً ولا عزيمة ولا تضحيات، ووطأ ذلك ووطد لسيادة الكلام والشقشقة في البيئات الإسلامية، ولا يتصور عاقل أن الإخلاص لله أمر هين لين، فكيف يتصور أن يكون الإسلام سهلاً هينا. إن الإسلام بسيط بمعنى أنه قادر قدرة عجيبة على إبراز ما هو جوهري ومفيد في أغراضه، وعلى استبعاد كل ما يحجب الجوهر من الحواشي والتفصيلات، فبساطة الإسلام ترجع إلي أدائه لمضمونه، بل هي مقدرته علي أداء هذا المضمون أدائاً ناصعاً مباشراً، وهذه البساطة نقيض تلك السهولة الكلامية البدائية التي تكتسح ما هو جوهري وأساسي وكل ما يتعرض خطاها الغافلة، وتلغى الفوارق بين الجوهر وبين الأشكال والصور والتفاصيل والحواشي. إن الإسلام بسيط من جهة حرصه الشديد على رؤية ما هو جوهري وما هو مفيد في الحياة، مرتسماً بقوة على سلوك المسلم وتصرفاته في حياته الخاصة والعامة، وهذا ليس أمراً هيناً ولا سهلاً، ولا هو يوافق البدائية أو الآلية الكلامية البليدة الكسلانة التي يتناول بها كثير من المسلمين دينهم بفضل تحويل بساطة الإسلام إلى سهولة وخفة وزن ومئونة.