/ صفحة 135 /
ويدو أن اعتقادنا المبالغ فيه في قوة الكلام وقدرته فرع على أننا جماعات عاشت أحقاباً على الأماني ففقدت ثقتها بالمحدود المعين المقدور التنفيذ وفقدت استعدادها النفسي لبذل الجهد، وتنافس أفرادها على بذله.
والصوفية إذ يفرقون بين الرجاء باعتباره الثقة فيما عند الله التي تحدث للعامل الجاهد الناشط، وبين الأمنية من حيث هي تصور احتمال النجاة بغير إهتمام بأسبابها وترحيب بهذا الإحتمال مع عدم الإطمئنان إليه لانعدام دواعي هذا الإطمئنان، يقيمون تفرقة صحيحة مشاهدة في حياة الأفراد والجماعات، فإن البشر كأفراد أو كمجاميع لا يستطيعون أن يقوموا بعمل ما يحتاج إلى جهد ووقت إلا إذا كان لديهم الثقة في إمكان إتمامه على ما يحبون، وهذا هو الرجاء. أما الأمنية فشيء يوجد في خيالنا إذا لم يكن لدينا عمل معين ننوي ونعزم على أن ننهض به، وهي مجرد استحسان لأمر ممكن نظرياً وذهنياً، وهو استحسان لا يتصل بالإردة ولا يحركها عادة لا إلى الإستعداد والتهجير ولا إلى العمل والتنفيذ.
وليس منا أحد إلا وقد جاشت نفسه زمنا ما بهذا الأمنيات فتمنى ألا يموت، أو أن يصبح فإذا حصباء داره داري وترابها تبر، أو تمني أن تكون له كلمه لا ترد ومال لا يعد كما تقول العامة في مصر.
ونحن بين يدي الأمنية نتخلى عن الإرادة وما يتصل بها من عمل ورجاء معوقد بالله طي هذا العمل، ونستسلم استسلاماً تاما لما ستجيء به الأيام كيفما تجيء.
وفقدان الرجاء يعطل معظم إرادة الإنسان فيعاف ويكره كثيراً مما يحتاج إلى جهد ومثابرة ووقت.
وفقدان الرجاء معناه فقدان أهم وأشرف حافز يحفز إرادة الآدمي ويحركها إلى العمل والمثابرة عليه وتجويده. وقد فقد معظم الناس في بلاد الإسلام لمئات السنين هذا الرجاء فقداً مزمناً لطول ما أزمن الخوف بينهم، وطول ما فقدوا الأمان على المال والنفس والعمل والمكانة والمنزلة والفكر والعلم والفن، وطول ما بسط عليهم من ظل القلق والرهبة الذي أمات الثقة في أي جهد مخلص يبدل،