/ صفحة 134 /
خطاب الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال. وقد أتقنت الطوائف المسيحية الغربية سيما الكاثوليك تنظيم هذا النوع من الخطاب وبلغت فيه شأواً بعيداً.
ومخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والافعال تحتاج إلى مزيد من شجاعة القلب وقوة التماسك والثبات في وجه المخاطر، وإلى السكينة والوقار والعفة عما ألف الناس أن يرغبوا فيه، ويصطرعوا عليه، وهو يحتاج فوق ذلك كله إلى إمتلاء النفس بالمال في الخير والتصميم على تحقيق نصيبها منه بكل ما في استطاعتها.
ولا شك أن خطاب الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال في البيئات الإسلامية حاصل باستمرار، لكنه فيما يبدو لا يحصل بالقدر الكافي ويفتقر إلى التنظيم والمناهج، ولا يوجد تلازم بينه وبين الدعوة القولية في أية صورة من صورها، بل الغالب أن تسير الدعوة القولية في طريقها دون أن تعول على هذا الخطاب أو تلتفت إليه.
ولا جدال في أن خدمة الدعوة بالكلام مقولاً ومكتوباً ليس فيها كل المشقة والمخاطر التي في مخاطبة الناس بالمواقف والتصرفات والأفعال، فبذل الكلام تأييداً وتمجيد وترغيباً وترهيباً وحضاً وصداً، جهد لا يكلف صاحبه في الأغلب تضحية في أطماعه أو في ماله، ولا يتقاضاه تغييراً في عاداته ونسيج حياته، مع أنه يجتذب إليه السمعة، ويلفت نحوه أنظار الناس، ويشهد له عندهم بواسع العلم والفضل، ومع قلة جدوى الكلام في البيئات الإسلامية ـ اللهم إلا في تحريك ألوان من المشاعر العابرة، وإثارة أنماط من السلوك السطحي الوقتي الذي ليس وراءه طائل ـ فإننا كلنا نعتقد أن للكلام قوة خارقة، وأن الفصيح الأريب الذكي اللسن الحافظ والواسع الإطلاع قدير على أن يرشد وهو ضال، ويذكر وقلبه غافل، ويقوم وعوده معوج، وينير طريق الناس وطريقه مظلم معتم، ويحي الإسلام في النفوس وقد مات إسلامه، وكلنا لا يفطن إلى أن الدين إخلاص لله، إن فقد عند الناس فليس في مقدور الذكاء والمهارة واللبقة أن تعيده، وأن تسليط المهارة واللباقة على الدين يمتص مائيته ويجفف عوده، ويضعف جاذبيته ويطرد عطره، وأنه ما لم يحصل تنوير القلب لا يصل الكلام إلى قلوب الناس مهما جوده صاحبه.
