/ صفحة 132 /
الأمن والدعة والعافية. ووراءه أيضاً عادات فكرية ونفسية عودتنا إياها ظروف حياتنا الحاضرة، أعانت عليها المطبعة والصحافة في اعتمادها الكلي على الجماهير والكتل، فإن كل شيء يعرض أو يعرض له بكيفية أو بأخرى في الصحف وغيرها من أدوات النشر على كل إنسان، ومعه دعوة ضمنية أو صريحة لكل إنسان بأن يرى فيه رأياً معيناً أو غير معين، وقد ألف قارئ الصحيفة لمجرد أنه يستطيع قراءتها، أن يعالج بلا احتفال ولا روية أي شيء وهو في مقصده من بيته أو مقهاه، سواء تعلق بأمور الحرب أو السلام أو شئون السياسة المحلية أو الدولية أو أحوال المجتمع في بلده أو في بلاد الدنيا، وهو يرى في ذلك أهتماماً بالمسائل العامة يشهد له في بيئته باليقظة والثقافة، ومهما يكن من مزايا هذا الاعتياد فلا شك أنه يحي لدى كثير من الناس إحساساً كاذباً بالعلم والخبرة والجدارة، وشعوراً طفلياً أنه يحي بسهولة تغيير أوضاع الحياة ويسر تحويلها وتشكيلها، وجرأة بلهاء على مناهضة نواميس الله وتحديها، كما يضعف لدى كثيرين البصيرة والإحساس بالنسب بين الأشياء، وبالفروق، وبقيمة الزمن، والشعور بمعنى الواقع وصلابته وصلة الواقع بالممكن، وأنه هو الذي يحدد أبعاد الممكن وتكاليف تحقيقه، كما يحجب عنهم الهوة التي تفصل بين الممكن وبين وهم الواهم وخيال الهاذي، ولذا كان اهتمام أولئك بالمسائل العاملة قليل الجدوى عليهم وعلى المسائل العاملة التي لا يجذبهم إليها في الغالب إلا عمومها وبريقها وضخامة شعاراتها وضجيج خلافاتها وغموض قضاياها.
ومن الخير للإسلام ألا تتناوله الجماهير والكتل بالكيفية التي تناول بها المسائل العامة، لأنه لا يمكن أن يسلك ضمن هذه المسائل، ولا أن يجري عليه ما يجري عليها، فكل منا يحمل دينه معه على الحقيقة لا على المجاز في أدق خصوصياته ما عاش، ويحمله معه حين يموت، وقد أسلنا حياتنا الخاصة لله كلها بكل أجزائها في كل أوقاتها وأحوالها، وقد أسلنا حياتنا تبعاً لذلك إليه تعالى حياتنا العامة، أي علاقتنا وصلاتنا وروابطنا بالجماعة التي نعيش فيها، ولا يتصور ان يسلم المسلمون حياتهم العامة ويحتفظوا بحياتهم الخاصة لأنفسهم. والإسلام دين نفس معينة، أي رباط مبشر بينها هي بالذات وبين خالقها سبحانه وتعالى، وهذا الرباط بالنسبة لنا ليس