/ صفحة 129 /
تعالى في الأفراد، فما من أمة أعطاها الله القوة والكثرة والهيبة ثم جارت في حكمها، ونقضت عهودها، وتنكرت للعدل، وطمعت في غيرها ملبية داعي الجشع، إلا أخذها الله بظلمها (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)، (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد).
وآيتنا في سورة الأنعام تذكر هذه الوصية بلفظ موجز، ولا تفصل في شأنها كما فصلت الآية التي ذكرناها، وسر ذلك كما قلنا من قبل أن سورة الأنعام تضع الأسس أو المبادئ، ولا تكاد تفصل شيئاً إلا ما تستلزم البيئة العربية يومئذ تفصيله، و مع ذلك فإن هذه العبارة الموجزة التي جاءت بها الوصية في هذه السورة (وبعهد الله أوفوا) قد وفت بأصول هذا المبدأ، حيث ذكرت أن لله عهداً، وأن عهد الله يجب الوفاء به، وكل عهد يقوم على أساس من الحق والعدل فهو عهد الله، سواء كان بين فرد وفرد، أو بين أمة وأمة، وهذا يشعر بأن هناك عهوداً غيره جديرة بأن تنسب إلى الله، وهي العقود أو العهود القائمة على الظلم أو الباطل أو الفساد، فمثل هذه العهود غير جديرة بالاحترام، ويجب العمل على التخلص منها إذا كانت بين أمة وأمة، كما يجب أن ينظر في إصلاحها أو إلغائها إذا كانت بين الأفراد، والفقهاء في العقود تفصيلات ذات صله بهذا المعنى، يبينون فيها العقود التي تنعقد والتي لا تنعقد، والعقود الفاسدة التي تقبل الإصلاح، وغير ذلك.
وبهذا يتبين أن الإسلام دين الوفاء، وأنه يجعل للوفاء شأناً عظيماً في المجتمعات الداخلية، وفي المجتمع الدولي على حد سواء.
وقد انتهت بهذا الوصايا الأربع في الآية الثانية، وسنعود إلى حديثها مرة أخرى لنبين السر في تذييل هذه الآية بقوله تعالى: (لعلكم تذكرون) ومنه يتبين السر أيضاً في جعل الوصايا الأربع مجموعة واحدة في الآية الثانية، كما جعلت الوصايا الخمس الأولى مجموعة واحدة في الآية الأولى.
الوصية العاشرة:
(وأن هذا صراطي مستقيماً، فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله).