/ صفحة 128 /
كونوا قوامين لله شهداء بالقسط) وقد طلب الله تعالى في هاتين الآيتين إلى المؤمنين أن يكونوا (قوامين بالقسط شهداء لله) وأن يكونوا (قوامين لله شهداء بالقسط ولم يجعل (القوامية) لهذا غير (القوامية) لذاك، ولا الشهادة بهذا غير الشهادة بذاك، ليعلنا سر تسمية جل جلاله باسم (العدل).
الوصية التاسعة:
(وبعهد الله أوفوا) والوفاء أصل من أصول الإجتماع التي يتحقق بها الخير والصلاح، وتستقر عليها أمور الناس، ويكون بين الأفراد بعضهم وبعض، وبين الدول والأمم، والقرآن الكريم يأمر بالوفاء بالعقود عامة، فيقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ويقول جل شأنه: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة، إنما يبلوكم الله به، وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون).
وهذه آية جامعة في شأن الوفاء بالعهد: شددت في النهي عن نقض الإيمان بعد تركيدها، والإيمان هي العهود والمواثيق التي يتخذها الناس بعضهم مع بعض، وحذرت من الله الذي يعلم ما يفعل الناس، ويطلع على نواياهم، ويعرف مقاصدهم، والذي جعلوه كفيلاً عليهم أي ضامناً وشاهداً متكفلاً بعقوبة كل من تحدثه نفسه بالنقض والنكث، وصورت الناقض لعهده بامرأة تنقض غزلها بعد قوة ما أتمته وأخرجته قوياً متيناً، فتعيده أنكاثاً، ولفتت إلى أسباب النقض غالباً، وهي شعور الأمة الناقضة الناكثة بقوتها والمادة أو العدد (أن تكون أمة هي أربى من أمة، وهذا أمر نشاهده بأعيننا، فما تعودت الأمم الضعيفة أن تنقض عهودها مع الأمم القوية، ولكن الأمم القوية الطاغية بقوتها هي التي تنقض العهود عادة، بل هي التي تبرمها لتنقضها، ولا يبعثها على هذا النقض إلا شعورها بقوتها وكثرتها، فالله تعالى يحذر من هذا الخلق الدولي، ويعرف الناس أن القوة والكثرة والنماء في الأمم هي ابتلاء، أي امتحان واختبار، كما جرت بذلك سنته