/ صفحة 127 /
أو غفلة، وهي أيضاً المجتمعات الأمنية التي لا تجد فيها من يحاول أن يأخذ أكثر من حقه، أو يعطي أقل مما يجب عليه.
ولذلك قلت إن الحديث عن الكيل والميزان والقسط فيهما، يمكن فيه مبدأ القسط في التعامل عامة، وفي تبادل المصالح الإجتماعية كلها.
وقد أتبع هذا المبدأ بقاعدة من قواعد الإسلام الميسرة الرافعة للحرج، وهي قوله تعال: (ولا نكلف نفساً إلا وسعها) وذلك لأن التبادل التجاري أو المصلحي كائناً ما كان، لا يمكن أن يتحقق على وجه كامل من المساواة والتعادل، فلا بد من تقبل يسير من الغبن، في هذا الجانب أو ذلك، ومثل هذا يغتفر ويهون أمره، وعلى هذه القاعدة خرج كثير من المعاملات، التي أبيحت مع تضمنها معاني لو نظر إليها لحرمت، ومن هذا القبيل الرخص المستثناة دفعا للحرج في التعامل.
الوصية الثامنة:
(وإذا قلتم فاعدلوا) والعدل هو أساس الحكم السليم: العدل في القول، والعدل في الحكم، والعدل في الشهادة، والعدل في كل فعل.
وإنما خصصت الآية العدل في القول مع أن العدل مطلوب في القول والفعل لأن أكثر ما يكون فيه العدل أقوال كالشهادة، والحكم، ثم الأقوال هي التي تراود النفوس في كل حال، فالإنسان حين تصادفه قضية من القضايا القولية أو العملية، يحدث نفسه في شأنها، ويراوده معنى العدل، وكأنه يطالبه بأن ينطق به ويؤيده، فيقول في نفسه سأفعل كذا لأنه العدل، فإذا لم يكن صادقاً في هذا القول فقد جافى العدل، وقال غير العدل.
والغرض الأ يحدث الإنسان نفسه في أي قول أو عمل إلا بالعدل، ومن شأن أحاديث النفس أن تكون بواعث على الفعل، وبوادر له، فإذا صلحت أحاديث النفوس؛ صلحت الأفعال غالباً.
وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الوصية بعبارة أخرى في آيتين غير هذه الآية، إحداهما في سورة النساء، وهي قوله تعال: (يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، والثانية في سورة المائدة، وهي قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا
