/ صفحة 124 /
قال: إن كل فعل من الأفعال تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب أن يبتعد عنها، ولا شك أن هذا مما تصلح عليه المجتمعات، وتستقر به المثل الفاضلة فيها.
والمجتمع الذي يؤمن بأن هناك (فواحش) يجب أن تجتنب، و(محاسن) يجب أن تلتمس؛ هو المجتمع الذي يكون له أهداف ومثل ومقاييس، أما المجتمع الذي يسوي بين القبيح والحسن، ويقوم على الفلسفة الإباحية التي لا تفرق بين ما يفعل وما يترك، فلكل إنسان فيه أن يفعل ما يشاء غير مقيد، وتلك هي الفوضى وبوادر الإنحلال.
الوصية الخامسة:
(ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق).
والقرآن الكريم ينظر إلى وجود الإنسان على أنه بناء بناه الله، فلا يحق لأحد أن يهدمه، وبذلك يقرر عصمة الدم الإنساني إلا بالحق، ويعتبر من يعتدي على نفس واحدة بغير حق كأنه اعتدى على الإنسانية كلها (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً).
وفي ذلك تقرير للمبدأ الأول والأهم الذي تستقر عليه حياة البشر وأمنهم، فإن الإنسان ـ كسائر الحيوان ـ يعتمد على قوة وتنازع البقاء، فإذا ترك إلى طبيعته: عمد إلى قوته فاتخذها سبيلاً إلى قضاء مآربه، وإزاحة كل من حال بينه وبين هذا المآرب من بني جنسه، عن طريق سفك دمه، وفي هذا ما فيه من تفاني هذا النوع وانقراضه، وفيه كذلك انتشار الخوف بين الناس وفساد حياتهم، واستحالة تعاونهم المثمر بسبب فقدان الثقة، وفيه إهدار الكرامة الإنسانية، واستهانة بهذا النوع الذي جعله الله خليفة في الأرض، لكن إذا تقرر أن من قتل نفساً بغير حق؛ كان كمن قتل الناس جميعاً، لأنه اعتدى على النوع كله باعتدائه على فرد منه، ولأنه فتح باب الضراوة والبغي وهدم ما بنى الله، فإن الناس حينئذ يشعرون بكرامة هذا النوع شعوراً يبعثهم على التعاون في الضرب على يد المعتدي، واعتبار أنفسهم معتدى عليهم، ومن