/ صفحة 121 /
معاني الحيرة والاضطراب والخوف والضعف والضلال، فيقول في آية أخرى:
(ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
هذا هو شرك العقيدة، وهو أول انحراف عن سواء السبيل، وإليه يرجع اضطراب هؤلاء المشركين القدامى، وما كان في مجتمعهم من شر وفساد.
ولا أظن أنه بقي على ظهر الأرض من يعتقد أن هناك إلهاً مع الله يستحق العبادة والخضوع له كما يستحقها الله جل جلاله، وإذا كان هناك بقايا من مثل هذه الوثنية الأولى. فأنها ليست بذات شأن، ومع ذلك فهي صائرة إلى الانقراض السريع.
لكن هناك نوعاً آخر من الشرك ما يزال باقياً، وسوف يطول بالإنسانية أمده، وهو أشد خطورة من الناحية العملية، وأكبر ضرراً على المجتمعات من شرك الأوثان والكواكب والأحجار، وذلك ما سميناه: (بشرك العمل)، وهو إيثار ما سوى الله على الله، وإن اعتقد أن الله واحد، وأن الأمر بيده، فإنه لا يكفي أن تؤمن النفس إيماناً سلبياً داخلياً بأن الله هو مالك النواصي والأقدام، ثم لا يظهر لهذا الإيمان أثر في التصرف والعمل، بل يظهر في الأعمال، والتصرفات عكس ذلك، كأن الإيمان هو ذلك الزعم القلبي الخفي الذي لا روح له، ولا حياة به، ولا يحد ما يصدقه، إنما الإيمان الحق هو الذي يحول بين صاحبه وبين إيثار شيء علي الله (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين).
وقد وصف القرآن الكريم المائلين للأهواء، المتبعين للشهوات، بأوصاف العبودية لغير الله، واتخاذ غيره إلها، إذ يقول: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد