/ صفحة 119 /
ولو ذهبنا نستقصى ألوان التناقض في المجتمع العربي قبل الإسلام لطال بنا الأمر، وإن ذلك لمعروف مشهور.
ولذلك كان من منطق الدعوة الإسلامية وقد استعلنت وظهرت بعد السرية والاختفاء، أن تضع برنامجاً إصلاحياً لهذه الجماعة المنحلة المضطربة المتناقضة، فجاءت هذه الوصايا، كمبادئ عامة، وعبر فيها بلفظ (التوصية) لأنه لم يكن قد بدأ دور الأحكام التفصيلية بعد، تلك الأحكام التي تعطي هذه المبادئ عناية تجعل من كل منها قانوناً ذا جزئيات ومواد.
أعطى الإسلام هذه المادئ العامة لهذا المجتمع الطائش النزق المضطرب، فكان أشبه بالذي يبني صرحا فيبدأ بأركانه الكبرى وحيطانه وأعمدته.
وإذن فتلك الوصايا أسس أعلها الإسلام، وقرر أن يقيم عليها صرح المجتمع، فلنقف قليلاً أمام هذه الأسس موقف المتأملين:
* * *
دراسة موجزة للوصايا العشر:
جرت السورةـ في تقرير هذه الوصايا ـ على عادتها، فأمرت الرسول بلفظ (قل) على سبيل التلقين له، لكي يشعروا من أول الأمر بأن هذا بيان إلهي ليس الرسول فيه إلا ناقلاً مبلغاً: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم).
وهذه العبارة التي قدمت بها الوصايا فيها إشعار بأن الحقائق الأولى التي قام عليها الجدال في السورة قد أصبحت واضحة، لا مفر من قبولها والنباء عليها، فالله تعالى يأمر رسوله بأن يبلغهم، وإذن فهناك إليه من شأنه أن يرسل الرسل، وهناك رسل من شأنهم أن يتلقوا عن الله، وهناك محرمات وردت من المصدر الذي يحق له التحريم وحده لأنه هو الرب (ما حرم ربكم) ثم هناك لازم عقلي لهذا التحريم هو أن من تعداه وانتهكه كان مغضباً للرب الذي قرره، مستحقاً لعقوبته، وإذن فهناك دار للجزاء، ولننظر بعد ذلك في الوصايا.
