/ صفحة 118 /
بيان حال المجتمع الجاهلي إجمالاً:
من المعروف أن مجتمع الجاهلية والشرك كان مجتمعاً متناقضاً لا يصدر عن مبادئ واحدة يراها المنطق السليم ويرى آثارها في كل خلق وعمل.
فبينما كان القوم أهل نزعة تدينية ورثوها عن آبائهم وعما قبلهم من شريعة إبراهيم وإسماعيل، كما يظهر في إهتمامهم بالحج ومناسكه، وفي أنهم كانوا يهتمون بمناصب السقاية والسدانة، ويحتفظون لكل بيت بما ورثه في ذلك، إلى غير هذا مما يصور نزعتهم إلى التدين: فإننا نجدهم من جانب آخر متحللين يرتكبون الموبقات، ويأتون الكبائر، ويقتلون أولادهم من إملاق أو خشية إملاق، ويئدون بناتهم خوف العار، ويتجرءون على الدماء الحرام فيسفكونها، وعلى الأموال الحرام فيأكلونها، ويرتكبون الفواحش ما ظهر منها وما بطن... إلى غير ذلك.
وبينما نراهم أهل كرم ونجدة حتى كان الواحد منهم ربما ذبح ناقته التي لا يملك غيرها ليكرم بها ضيفاً نزل عليه لا يعرفه، وحتى كان أحدهم إذا استصرخ أنجد من استصرخه دون أن يسأله لماذا استصرخه، وعلى من استصرخه، ولكنه يحف إليه بسيفه في طرفة عين، ومع هذا نراهم يستبيحون أن يسلبوا الناس أشياءهم، وأن يقتلوا المارة، ويغنموا متاعهم وبضاعتهم، وأن يفعلوا هذا أحياناً لا لشيء إلا لكي يظهروا شجاعتهم وبطولتهم، ويتحدثوا بذلك في أشعارهم، وكم لهم في هذه الناحية من أخبار وأشعار.
وهم قوم يغارون على الحرمات، ومع ذلك ينتهكونها، فالمرأة العربية كانت موضع شد وجذب: زوجها وأهلها يريدونها حرة عفيفة، والفتاك والعشاق من حولها يراودونها بالشعر والغزل والمغامرات.
وكانوا مع غيرتهم ربما سمحوا أن تذهب المرأة منهم إلى رجل ذي منزلة في المجتمع فتمكنه من نفسها، لتثمر من هذا التمكين ولداً يشبهه.