/ صفحه 79/
ما لنا، وعليهم ما علينا، ولا نفرض عليهم غرامات حرب ولا غيرها بدعوى نفقات جيش الاحتلال والجيش الذي غزا، لأن الإسلام لا يريد بالحرب الفتح والملك والغنم والسلب والنهب، بل يريد رد اعتداء المعتدين الذين بدءونا بالحرب ويريد تأمين الدعوة ((وإن جنحوا للسلم فاجنح لها))(1)، وخلال الحرب والاحتلال المؤقت، وما بعد الحرب حريات الأفراد في بلاد الأعداء، وحريات رعايا الأعداء المقيمين عندنا في دار الإسلام مكفولة مصونة غير مظلومين، وإذا وقع اعتداء من أحدهم فلا تحاسب جماعتهم عليه بالجزاءات أو العقوبات الجماعية، فالقرآن يأمرنا أن ((لا تزر وازرة وزر أخرى))(2)، وكذلك لهم حرية العبادة وبيعهم وكنائسهم ومعابدهم آمنة بمن فيها ومن يأمونها، ولقد روي عن عمر بن الخطاب لما ذهب إلى بيت المقدس لعقد المعاهدة بين المسلمين والنصارى، بيت المقدس ((إيلياء)) رأى قمة بناء ظاهرة وسط كومة من تراب، فسأل: ما هذا؟ فقيل: معبد لليهود ردمه النصارى من قبل، فأمر بإزالة التراب عنه، وأخذ يزيله ويرفع بعضه بثوبه، لأن الإسلام يريد الحرية الكاملة لكل شخص في اختيار دينه، ويرى أن الدولة مسؤولة عن تمكين جميع سكانها من إقامة الشعائر الدينية الخاصة بهم، ولا يريد الإسلام أن يقهر الناس ليدخلوا فيه قسراً، بل يريد لمن يدخله أن يكون عن اقتناع وعقيدة.
وتعاليم الإسلام في شأن نظام الحرب والاحتلال والغزو ينفذها المسلمون على أشد ما يكون التنفيذ دقة، فلا يخونون، ولا ينهبون، ولا يخربون عامراً، ولا يعذبون أسيراً، ولا يقتلون رهينة ولا رسولا، ولا يقابلون ذلك بالمثل، بوازع من تقوى الله، ولا يفرضون العقوبات وطريقتهم في التنفيذ، ورعاية هذه الحقوق والحريات للأعداء إنما تنبع عن إيمانهم بوجوب اتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه تحرجاً من الوقوع في الإثم، وأين ذلك من نقض قلب الأسد لعهد الأمان الذي أعطاه لثلاثة آلاف مسلم سلموا أنفسهم له عند فتح بيت المقدس خلال الحروب

ــــــــــ
(1) سورة الأنفال آية 61.
(2) سورة الأنعام آية 64، الأسراء 15، فاطر 18، الزمر 7، النجم 38.