/ صفحه 6/
ذكّرهم في هذه الآية بتاريخ عنايته ونصره لرسوله (صلى الله عليه واله وسلم)، فذكرهم بإيذاء قريش له وتضييقهم عليه حتى الجئوه إلى الخروج من مكة، وهذا هو ما يدل عليه كلمة:((آخرجه الذين كفروا)) فقد خرج من ذلك النطاق الذي ضرب حول بيته بالحديد والنار، خرج ظافراً منتصراً، وقد باء القوم في مكرهم بالفشل. وهذا هو ما تشير إليه آية الأنفال:((وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).
نصره في ذلك الوقت حالة كونه بعيداً عنكم، وليس معتمداً عليكم، وإنما كان ثاني اثنين، أحد اثنين، لا ثالث لهما منكم، في ذلك الوقت الذي ضمه هو ومن معه الغار، وكانا فيه موقع أبصار القوم ـ لو نظروا تحت أرجلهم ـ فحوّل الله أبصارهم، وأخذوا يرمون بها في الصحراء ورمالها، كما أعمى بصائرهم من قبل، وخرج الرسول من بينهم بعد أن تحلقوا حول بيته، نصره وقت أن اشتد خوف صاحبه عليه وهما في الغار، فأخذ يطمئن صاحبه، ويقول له:((لاتحزن إن الله معنا)) والمراد بها الولاية الدائمة التي لا تنقطع، والتي لا تحوم حول صاحبها شائبة شئ من الحزن، وخرج هو وصاحبه أعزلين لا سلاح معهما، ولا قوة لهما حتى تلقاهما الأنصار في المدينة بالتهليل والتكبير.
ثم فصّل ((بالفاء)) مصدر هذا النصر، وأنه أمران: باطني، يرجع إلى إنزال الله السكينة في قلبه والثقة بتمام نصر الله له، وبها خرج من مكة، ووصل إلى الغار وأقام فيه مع صاحبه وطمأن صاحبه، وبها خرجا منه، وبها وصلا إلى المدينة، وبها رتب شأنه ودخل مع القوم في الحروب.
وخارجي، وهو التأييد بالجنود التي لم يرها القوم، وإنما كانوا يرون أثر ذلك في نهاية الغزوات حتى أكمل الله دينه وجاء نصر الله والفتح، وكانت النتيجة أن ((جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا)).
ولا ريب أن هذا ((الجعل)) لا يكون بمجرد الإنجاء في حادث الهجرة، وإنما كان بنصره إياه في المواقع الحربية التي حصلت بعد ذلك، وقد أشار إلى هذا بقوله:((وأيده بجنود لم تروها)).