/ صفحه 58/
بلاغة سورتي النساء والمائدة:
يقول عبدالقاهر: انظر إلى سورة النساء، وبعدها سورة المائدة، الأولى منصوبة الفواصل، والثانية ليس فيها منصوب أصلا; ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم تمتزجا، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما!
مزايا الإمام وخصائصه:
يقول ابن أبي الحديد: سبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفسية، والخصائص الشريفة; أن يكون غلام من أبناء عرب مكة، ينشأ بين أهله، لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة ودقائق العلوم الإلهية من أفلاطون وأرسطو، ولم معاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانية، لأن قريشاً لم يكن فيها أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك، وخرج أعرف الناس بهذا الباب من سقراط، ولم يُرَب بين الشجعان; لأن أهل مكة كانوا ذوي تجارة، ولم يكونوا ذوي حرب; وخرج أشجع من كل بشر مشى على الأرض; قيل لخلف الأحمر: أيما أشجع، عنبسة وبسطام، أم علي بن أبي طالب؟ فقال: إنما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة! فقيل له: فعلى كل حال، قال: والله لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما!
وخرج أفصح من سَحبان وقس، ولم تكن قريش بأفصح العرب; كان غيرها أفصح منها; قالوا أفصح العرب: جُرهم وإن لم تكن لهم نباهة; وخرج أزهد الناس في الدنيا، وأعفهم، مع أن قريشا ذوو حرص ومحبة للدنيا، ولا غرو فيمن كان محمد ـ (صلى الله عليه واله وسلم) ـ مُربيه ومُخرِّجه، والعناية الإلهية تمده وترفده أن يكون منه ما كان.
ضرب عمر لأبي هريرة:
لما قدم أبو هريرة من البحرين قال له عمر ـ رضي الله عنه ـ: يا عدو الله وعدو كتابه! أسَرقت مال الله تعالى؟ قال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكنني عدو من عاداهما، ولم أسرق مال الله! فضربه عمر بجريدة على
