/ صفحه 263/
15- ولسنا في حاجة إلى الكلام في توثيق القرآن لولا أننا نكتب هذا سداً لحاجة المنهج من وجه، ولمن يريد أن يلم بذلك ممن لم يستوعبوا تاريخ القرآن، ذلك أن الله تعالى قد تكفل بحفظه: ((انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون))(1) ((و انه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد))(2)، لذلك توافرت له كل أسباب الحفظ، وتكاملت له عوامل الصيانة، فبقى كما أنزله الله على محمد لم ينله تغيير ولا تبديل(3).
فقد كان للرسول كتاب يكتبون الوحى بين يديه على أثر نزول الايات، ومن أشهرهم زيد بن ثابت شيخ هؤلاء الكتاب، وكان الرسول حريصاً على أن لايفلت شىء منه، فكان يحرك به لسانه وشفتيه حرصاً على حفظه، فأنزل الله عليه: ((لا تحرك به لسانك لتعجل به ان علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه))(4)، كما كان يشجع القراء على حفظ القرآن ويحتم على الناس قراءة شىء منه في الصلاة، وهكذا جمع القرآن في حياة الرسول أول ما جمع كاملا وثيقاً، ولما توفي عليه الصلاة والسلام وكانت حركة الردة وقتل فيها كثير من القراء أمر أبوبكر زيد بن ثابت فجمع القرآن مما كتب فيه من العسب واللخاف، مستأنساً بما حفظ الحافظون، وسجل القرآن في صحف بقيت عند أبى بكر فعمر فابنته حفصة حتى أخذها عثمان وعمل على كتابة عدة مصاحف وزعها بين بعض الامصار الاسلامية، وهي التي بقيت صورتها إلى الان، ويقول الناس دائماً المصحف العثمانى لذلك.
و خلاصة هذا البحث أن القرآن الكريم لايمكن أن يتحاكم إلى التاريخ القديم ولا التوراة والانجيل، اذ ثبت أنه الثقة الحجة، وأنه هو الذي يهيمن على ما سواه وأن قصصه حق لا شك فيه، وأن الشك فيه ضلال كبير لا يليق بمسلم ولا بعالم، ولنقل بعد ذلك في المنهج السليم لدراسة القصص القرآنى، ثم في مادته وما يدور حولها من شبهات.
ــــــــــ
(1) الحجر: 6.
(2) فصلت: 42.
(3) راجع مجلة لواء الاسلام سنة 4 عدد 8 للاستاذ عبدالوهاب حمودة.
(4) القيامة: 16.
