/ صفحه 251/
كذلك يقال بالنسبة للقصص، فمن المعروف أن القصة في العصر الحديث تتناول حوادث تاريخية أو خيالية، وهي حين تتناول التاريخ لاتلتزم بواقعه الحقيقى، وهي بعد ذلك تخضع لمنهج مقرر من التبويب والتفصيل والمناظر والاستيعاب، بحيث تكون سلسلة مترابطة من الافكار والاحداث ينتهى تسلسلها إلى الغاية اليت كتبت من أجلها، فهى كتاب يؤرخ أحداثاً أو أفكاراً، ولكنه لايتشبث بالواقع، ومن حقه أن يخترع، ويزيد وينقص، ويصور ويتخيل، لا حرج عليه في ذلك ما دام يتخذ من هذه الوسائل ما يحقق هدفه المنشود.
ولكن القصص القرآنى ليس من هذا الاسلوب الحديث، فهو - كما قلنا - يَرِد بحسب المناسبات الوعظية، ويقتصر من القصة على ما يناسب المقام، ويعرضه بأسلوب رائع، ويتحرى الحقائق والواقع، فلا تزوير ولاتزييف، ولا كذب ولاتدليس، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
و بهذه المناسبة يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده عند تفسير قوله تعالى: ((و اذ استسقى موسى لقومه))(1): ((ان كثيراً من أعداء القرآن يأخذون عليه عدم الترتيب في القصص، ويقولون هنا ان الاستسقاء وضرب الحجر كان قبل التيه، و قبل الأمر بدخول تلك القرية، فذُكر هنا بعد تلك الوقائع، والجواب عن هذه الشبهةُ يفهم بما قلناه مراراً في قصص الانبياء والامم الواردة في القرآن، وهو أنه لم يقصد بها التاريخ وسرد الوقائع مرتبة بحسب أزمنة وقوعها، وانما المراد بها الاعتبار والعظة ببيان النعم متصلة بأسبابها لتطلب بها، وبيان النقم بعللها لتتقى من جهتها، ومتى كان هذا هو الغرض من السياق فالواجب أن يكون ترتيب الوقائع في الذكر على الوجه الذي يكون أبلغ في التذكير وأدعى إلى التأثير)).(2)
و مع أن القصص القرآنى لم يهدف إلى تعليم التاريخ، ولم يلتزم أشكاله المدرسية فإن أخباره تاريخية أى أنها صادقة واقعية لاتبديل فيها ولا زيادة، وبذلك يعتمد عليه في التحقيق للتاريخى من هذا الوجه.

ــــــــــ
(1) البقرة / 58 - 60.
(2) تفسير المنار: ج 1 ص 337.