/ صفحه 23/
كانت الثقافة الإسلامية هي الثقافة الغالبة على العقول في القرن الثالث عشر، وكان مذهب الفيلسوف الأندلسي ابن رشد مذهب المفكرين جميعاً زهاء ثلاثة قرون، وقد ترك هؤلاء المفكرون لغة اللاتين واليونان ليقبلوا على دراسة اللغة العربية، وشكا بعض ذوي الرأي ـ كما جاء في تاريخ دوزي أن المثقفين من الأوربيين يعجبون بشعر العرب وأقاصيصهم، ويدرسون التصانيف التي كتبها الفلاسفة والفقهاء المسلمون، ولا يفعلون ذلك لإدحاضها والرد عليها، بل لاقتباس الأسلوب العربي الفصيح!
فالدراسات الإسلامية التي اشتغل بها الأوربيون في تلك الآونة، إنما كانت لتحويل المفكرين منهم عن هذه الوجهة: كانت للرد على الفلاسفة المسلمين وإدحاض أقوالهم، وتجديد العناية باللاتينية واليونانية بدلا من العربية، وهذه هي مرحلة الدفاع الأولى، وغايتها الكبرى أن يتخلص القوم من سيطرة الفكر العربي والدراسات العربية الإسلامية.
وبعد مرحلة الدفاع هذه بدأت مرحلة أخرى هي مرحلة الهجوم.
وكان الغرض منها استخدام المعارف الإسلامية في حركة التبشير الديني وحركة الدعوة الثقافية التي تصطبغ بصبغة التبشير، ثم اتجهت حركة الدراسة الإسلامية بعد وجهة التبشير إلى وجهة الاستعمار، ثم عرف الإستعمار مصيره بين الأمم الإسلامية، وعرف أن هذه الأمم خليقة في العصر الحديث أن يحسب لها حساب آخر غير حساب الأتباع والأذناب، وأنها قوة عالمية تتقدم وتوثر في مصير العالم بأسره، ويتساءل العالم بأسره في الشرق والغرب عن حقيقتها، ويجب عليهم لمصلحتهم أن يفهموا هذه الحقيقة ولا يغالطوا أنفسهم فيها،لأن المغالطة فيها تصيبهم ببأضرارها قبل أن تصيب الأمم الإسلامية.
من هنا كانت هذه المرحلة، مرحلة البحث العلمي الذي تشرف عليه السياسة الدولية، وكان القائمون به على الأكثر أساتذة من الجامعات، أو معاهد البحوث،
