/ صفحه 219/
الشعب اليونانى نفسه في أرقى عصور نهضته، وأخذت بهاالامم الاوروبية المسيحية في العصور الوسطى وصدر العصور الحديثة في جرائم السحر والالحاد وما اليهما من الامور التي كانت تعد حينئذ من كبار الذنوب، وذلك أنه كان يؤتى بقطعة من حديد فتحمى حتى تصير ناراً ويكلف المتهم أن يقبض عليها بيده، أو يكلف المشى على جمر الفحم الحجرى، أو يضع يده في الماء وهو في درجة الغليان، فإن أصابه ضرر من هذه الامور دل ذلك على ادانته; وان نجامنها فأصبحت النار والمياه الغالية برداً وسلاماً عليه كان ذلك آية على براءته; ولكن هيهات كان يحدث هذا الاعجاز! وأحياناً كانت تلف يده بعد ذلك بضماد وتختبر بعد ثلاثة أيام، فإن قام في أذهان المحققين أن الحرق في طريق البرء دل ذلك على براءة المتهم، والا ثبتت ادانته.
* * *
و من هذه الطرق الغريبة كذلك طريقة ((البشعة)) - بضم الباء أو كسرها وسكون الشين - التي تسير عليها بعض القبائل العربية في الشام ومصر، وخاصة من يسكن منهم محافظة الشرقية (قبائل المعازة والدراجين والعيايدة والحويطات.. الخ) في تحقيق الجرائم الخطيرة كالقتل وما اليه. وذلك أنه يؤتى بطاس من حديد ويحمى حتى يحمر ويصبح كالجمر، ويكلف المتهم أن يلعقه بلسانه، ويتناول جرعة ماء بتمضمض بها بعد ذلك، فإن أحجم عن لعق الاناء أو لعقه وأصابه منه ضرر اعتبر مديناً، وفي كلتا الحالتين يعرض أمره على المحكمين ليقضوا في شأنه بما يرون وفقاً لعرفهم القضائى. وأما إذا لعق الاناء ولم يصبه منه ضرر فانه يعد بريئاً.
و يشرف على هذه الاجراءات اخصائى يسمى ((المبشّع)) - بكسر الشين المشددة - ويعتقدون أنه لايوجد في القطر المصرى الا مبشع واحد، وأن هذه الوظيفة قد آلت اليه بالوراثة، وأنها تنتقل منهالى أكبر أفراد أسرته سناً... وهكذا، وأن بجسمه هو حصانة وراثية تجعل النار برداً وسلاماً عليه، حتى لقد جرت العادة أن يمسح المبشع نفسه الطاس المحمية بيده قبل أن يقدمها للمتهم بدون أن يناله أى ضرر من هذا المسح.
