/ صفحه 213/
و على هذه الوتيرة كانت كلمة ((الشخصية)) تتردد فى أحاديثه للدلالة على قوام كل ((وجود)) حتى يتميز به عقل الانسان وضميره فى حياته الروحية، وهى لمحة من لمحات التعبير الباطنى تدل على معناها، وتدل مع هذا المعنى على مقدار شعوره بكرامة الشخصية واقترانها بحق الانسان وواجبه، وبالتبعة التى تناط بها الحقوق والواجبات، وتقرر له موقفه من الشخصيات الانسانية الاخرى فى ابداء الرأى والاضطلاع بأعباء الدعوة والاقناع.
هذه واحدة من خصال العقل المجتهد، بل هى أولى تلك الخصال فى كل ترتيب لكفايات المجتهدين. من كان له رأى وعلم ولم يكن له نصيبه الأوفى من هذه الخصلة فلا سبيل له الى الإجتهاد، لأنه يلقى العائق الأول عن أداء وظيفة الاجتهاد من قبل نفسه، ويحجم عن العمل فى سبيله قبل أن يصده غيره عن تلك السبيل.
و تلك هى الخصلة التى توفرت للائمة الأسبقين من أصحاب الرأى والقياس فى الشريعة وبفضل الثقفة التى كانت تملأ نفوسهم من هذه الخصلة، كانوا يقولون لمن يستكثر عليهم التعقيب على أهل العلم من الصحابه والتابعين: انهم رجال ونحن رجال.
و إذا اجتمع الإجتهاد فى كلمات معدودات صح أن يقال انه هو القدرة على الرجوع إلى روح القرآن الكريم، او انه بعبارة أخرى: تفسير المذاهب بمعانى القرآن الكريم، وليس هو تفسير القرآن الكريم بمعانى المذاهب أو بنصوصها أو باقوال الرواة فيها.
و لقد كان هذا هو ايمان الامام الفقيد بالكتاب المبين، وكان هذا هو منهجه فى الاحتكام بالمذاهب إلى آياته وأحكامه، مستقلة عما يضاف اليها من شروح المختلفين، وتأويلات أصحاب الرأى أو أصحاب اللغة من المفسرين.
و قد لخص العالم الفاضل الدكتور محمد البهى هذا المنهج فى تقديمه لتفسير الامام الفقيد فقال: ((التفسير الذى نقدمه اليوم للمسلمين هو تفسير للمسلمين أجمعين، لا لمذهب معين من المذاهب الفقهية، ولا للون من ألوان العقيدة الكلامية، ولا لاتجاه خاص من اتجاهات أهل الظاهر أو أهل الباطن)).