/ صفحه 188/
فما السر فى ذلك؟
السر هو ايمان القائمين على هذه الدعوة وملاء متها للفطرة السلمية.
و الايمان يصنع ما يشبه المعجزات، انه يمنح صاحبه من القوة ما يتخطى به كل عبقة،و يتغلب به على كل صعوبة.
ففى هذه الحقبة من الزمن اجتمع نفر من المصلحين من مختلف المذاهب، ومن شتى البلاد، وتفاهموا رغم اختلاف مذاهبهم وديارهم، ولم يكن للتعصبات المذهبية عليهم تأثير، ولا كان فى أعمال تفكيرهم رواسب، واتفقوا على العمل، وأفرغوا فيه جدهم، فأخذت الدعوة لون المدرسة الفكرية العلمية التى تقوم بذاتها وبدراساتها، ولا ترتبط بذوات الاشخاص أو بمراكزهم، ولا تتأثر ببقاء الاشخاص أو زوالهم، وبمعرفة الناس بهم أو جهلهم اياهم، حتى أن بعض من تفانى فى خدمة هذه الفكرة ثم اختاره الله إلى جواره، لم يعرف الناس إلى الان عنهم شيئاً.
لم يكن الحال يوم بدأت فكرة التقريب كما نحن عليه الان، كان سلطان التعصب قوياً يتحدى أن انسان يروج لمثل هذه الفكرة، وكان عامة الناس لايطيقون أن يسمعوا عن التقريب بين الشيعة والسنة، اذ الشيعة فى زعم بعض السنيين هم الغلاة وأصحاب مصحف خاص، والسنة فى زعم بعض الشيعة هم النواصب والمجسمة، وإذا كان الخاصة وهم أئمة الفكر والدين قد عرفوا الحقائق، فان أحداً منهم لم يقدم على عمل ايجابى، خوفاً من الشائعات التى كانت تلصق بكل فريق وتصدق عند الفريق الاخر، وخوفاً من أنصاف العلماء أو أشباه المثقفين الذين لايعرفون غير كتب مذهبهم، ولا يقرءون سواها، ولهم تأثيرهم المباشر فى عامة الناس.
فلم يكن بد اذن من تهيئة الجو قبل الاقدام على أى عمل ايجابى، والتمهيد للفكرة قبل الخروج بها على الناس، وهكذا مرت فكرة التقريب بمراحل ثلاث: مرحلة التمهيد، ومرحلة التكوين، ومرحلة التنفيذ.
و هناك رجال عشاوا فى التقريب منذ المرحلة الاولى، وآخرون بدءوا مع المرحلة الثانية، والاحياء من هؤلاء وأولئك لايزالون يجاهدون فى هذه الدعوة