/ صفحه 149/
و بينما كان هؤلاء واقفين مواقفهم في هذا الميدان الكبير كان هناك مئات من الكنائس، بل آلاف، في مختلف أنحاء العالم المسيحي، تقام فيها الصلوات دعاء وابتهالا إلى الله تعالى، في شأن هذا الشيخ الكبير الذي يعالج سكرات الموت، ويوشك أن يرحل إلى الدار الاخرة.
و كنا نتابع وصف هذه الحشود الحاشدة فيما تكتبه الصحف، ونتخيل الناس هناك، وقد وقف كل منهم وكأنه يضع يده على قلبه، ويذرف دموع اشفاقه وحبه، ويقلب بصره ذات اليمين وذات الشمال، كما يقلب أذنيه لعله يرى أو يسمع شيئاً عن المريض العزيز، الذي يقدسونه أعظم التقديس، ويجلونه أعظم الاجلال، لانه رمز لشىء عزيز عندهم، غال عليهم.
فكانوا يتلقفون كل نبأ يتصل به، فاذا سمعوا أنه تناول مسبحته تحدثوا بذلك وتناقلوه فيما بينهم، وإذا علموا أنه كان يتمتم بدعائه، أو يحرك شفتيه بصلواته، أمنت قلوبهم، وخشعت أبصارهم، وذرفت دموعهم... وهكذا.
فلما مات البابا الذي كانوا يشفقون من موته على توقعهم اياه، تواردت جموع من نوع آخر، تلك هى الجموع التي اصطفت في صفوف تقدّر أطوالها، بالاميال، والتي جاء كل فرد فيها ليلقي النظرة الاخيرة على جثة هذا الفقيد الذي يعتبره فقيده الخاص قبل أن يكون فقيداً عاماً لجميع المسيحيين.
و كنا نرقب الصحف أيضاً والمجلات ووكالات الانباء وأجهزة ((التليفزيون)) وهى تتبارى في نشر صورة البابا مسجى على فراش الموت، والناس يمرون عليه في خضوع وحزن ونظام رتيب، فيه اجلال للموت، وفيه تقديس للميت، وفيه احترام للدين، وفيه الاخلاص كل الاخلاص للعقيدة التي يدينون بها.
و نكست الاعلام في كل مكان لا في العالم الكاثوليكي فحسب، ولكن في العالم المسيحي كله، بل نكست الاعلام في مؤسسات هيئة الامم المتحدة التي تمثل العالم كله، كما دقت أجراس الحزن في كل الكنائس شرقية كانت أو غربية، وألغيت الزيارات المقررة التي كان بعض رؤساء الدول سيقومون بها لبعض البلاد. كما ألغيت