/ صفحه 288/
أفلا تهزك تلك البطولة التي يفصح عنها عمرو القنا في شعره هذا.
لقد خرجوا من غمرة الموت والنجاء ميسور، ولا تثريب عليهم إلا أنهم لا يرضون، إنهم منتصرون أو مقتولون ولا ثالثة، يقولون بعضهم لبعض: عوداً إلى الغمرات التي شاءت بعض أحوال القتال أن ننأى عنها، ولقد عادوا وأبلوا أحسن البلاء، فلم يكن في الناس أكرم منهم حين قال لهم محرضهم على القتال: دافعوا عن أحسابكم.
ولست أدري لماذا كلما سمعت أو قرأت هذا الشعر ذكرته (صلى الله عليه وسلم) وهو يقول: قم يا عبيدة، قم يا حمزة، قم يا علي، يدعو بني عبد المطلب ليقتلوا أو ينتصروا حين أبت كبرياء السادة من بني عبد شمس إلا أن يقاتلوا أكفاءهم من بني عمهم، فلقد ردوا الأنصار الذين برزوا لهم قائلين: أنتم أكفاء كرام، ولكننا نريد أكفاءنا من بني عمنا، أفلا يعجبك أدب عتبة وذويه أنهم لم يتعالوا على الأنصار ولم يسيئوا خطابهم: أنتم أكفاء كرام ولكننا نريد أكفاءنا من بني عمنا، إنه الحقد الأسود على الرسول والمهاجرين الأولين، وبخاصة العشيرة الأقربين، فإذا خلصوا منهم فربما عادت الأحوال إلى ما كانت عليه قبل أن يصدع (صلى الله عليه وسلم) بما أمر أن يصدع به، ورجعت العلائق بين المصرين من مكة ويثرب كما قامت زمنا طويلا ودية طيبة، بيد أن القوم أرادوا أمراً، وأراد سبحانه وتعالى أمراً، ولن يغلب جل وعلا على أمره.
على أنني لست أدري كيف فعلت بي الشيخوخة فتركت " الذي يركب الهول وحيداً " هو والفتو الذين هجروا، ثم أسروا، فأدركوا ثأرهم واستراحوا، أو لم يستريحوا، فلقد أزعجهم صاحبهم حين " هوموا " وكان عليهم أن يشمعلوا كيلا يدركهم العدو، فكيف تراني تسللت من جنازة قتيل بني هذيل الذين طالما قتلهم تقتيلا قبل أن يصبح دمه في الشعب الذي دون سلع؟.
قلت: لقد كان التسلل منطقيا، والحديث طبعيا جر بعضه بعضا.
قال: إياك ثم إياك أن تخدعني، فما ابتلى الشيوخ أشد الابتلاء إلا بالتلاميذ
