/ صفحه 252/
القدرة على التمييز بين النجدين: الخير والشر، وأنه مأمور بترك هذا، وفعل ذاك، ومسئول عن أقواله وأعماله أمام الله والناس، ومجازىعنها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ومطالب بأن يعيش مع غيره بالتحابب والتعاون.
إن الإيمان بالله هو الإيمان بالإنسانية، وليست العدالة الاجتماعية إلا تطبيقا للعدالة الإلهية، إن الذين يكفرون بالله يكفرون بالحق والخير والعدالة، وبالعلم والعقل من حيث لا يشعرون ولا يريدون، قال الفلاسفة الإلهيون: " إن الله هو العقل الأكبر " وبديهة لا يصدر عن العقل إلا ما كان معقولا.
حقيقة الدين:
ونعلنها كلمة صريحة واضحة لا مجاز فيها ولا تأويل أن كل ما يأباه العقل يأباه الدين، وكل ما يقره العقل يقره الدين وكل ما فيه الخير والصلاح فهو من الدين في الصميم، وإذا شذ رجال الدين واللاهوت عن هذه القاعدة فإنما يشذون عنها جهلا أو نفاقا، وقد خرجت من تتبعي لكلمات الملحدين، وأنا على بينة من أنه لا سبب لنزعتهم الإلحادية إلا الجهل بالدين وحقيقته، وإلا أنهم رأوا من يحترف به، ويتخذه وسيلة للعيش، فظنوا أنه القائد الأوحد والمصدر الحق لكل ما يمت إلى الدين بسبب، وما دروا أنه أعدى أعداء الدين، وأضر عليه من الملحدين (1).
إني آمنت وأيقنت أن إلحاد الملحدين لا سبب له إلا فهمهم الخاطئ لمفهوم الدين، ولا شئ أدل على ذلك من قولهم: إن الدين حجر عثرة في طريق التقدم، فهم ينظرون إلى الدين كوسيلة للجمود والركود، والتقهقر والانحطاط، ولاستكانة الضعيف والفقير، وتسلط القوي والغني، أما إذا تبينوا وتيقنوا أنه قلب لعالم ينبض بالحياة والخيرات، وروح تبعث الإنسان على أن يعمل للدنيا كأنه يعيش

*(هوامش)*
(1) قال صدر المتأهلين في كتاب " المبدأ والمعاد ": إن هؤلاء لم تصف قلوبهم، ولم تخلص طوياتهم من الشهوات والأهواء، ولا يفيدهم الذكاء شيئاً ما داموا متهالكين على الجاه والقرب من السلطان، كما نراه من علماء هذا الزمان، توفي هذا العظيم سنة 1050 هـ، ولو كان في هذا العصر لوضع كتاباً خاصاً بالمعممين وأصحاب القلانس الذين يتمسكون على أبواب الزعماء. يضاهي كتاب الأسفار.