/ صفحه 230/
لهؤلاء أيضاً أن الأمر بقتالهم بعد أن غلبوا على أمرهم وفتح المسلمون مكة، وظهرت شوكة الإسلام في شبه الجزيرة ـ من باب التحدي لمن ظهر ضعفه، وبدا عجزه، وقلمت أظافره، وصار المسلمون في مأمن من ثورته وطغيانه، وقتال أمثال هؤلاء قتال لمن ألقى السلاح، وهو لا يتفق مع تحذيرات القرآن المتكررة من الاعتداء وعدم قتال من لم يقاتل.
هذه اعتبارات أو خواطر قد تحضر بعض الأذهان وتعلق فيها، وهي اعتبارات لو استقرت في النفوس تجعل من آثارها عدم اطمئنان القلوب نحو صحة هذا الوضع الجديد، وفي هذا غفلة عظيمة عن التقدير الحق في هذا الموقف، موقف المؤمنين مع هؤلاء المشركين، وكثيراً ما يصحب تلك الغفلة التهاون في تنفذ هذه الأوامر، كما قد يصحبها سريان هذه الاعتبارات الفاسدة إلى الجمهور، وقد تشتد الغفلة عن التقدير الحق في الموقف، فيزداد البعد عن إدراك الحق، وبذلك يقع المؤمنون في برائن المنافقين، وتحت تأثيرهم بهذه الخواطر الفاسدة، وفي هذا هدم لبناء شيد، وزلزلة لعرش استقر ـ لهذا كله وتطمينا للمؤمنين على حكمة هذا الوضع الجديد، وبياناً لحقيقته وسداده، أردف الله سبحانه وتعالى الأمر بنبذ العهود، والأمر بالقتال، يما يجلي الحكمة في هذين الأمرين، ويغسل قلوب المؤمنين من هذه الوساوس وتلك الخواطر الفاسدة، التي قد تنفذ إليهم من جانب قصر النظر، وضعف الإدراك والتقدير الحق في مثل هذا المقام.
عناية القرآن بتوجيه التشريعات وتعليلها:
وفي عناية الله بتوجيه هذا التشريع وبيان حكمته، إيحاء قوى بأن من تمام قيام الحجة على الناس فيما يفرض عليهم من تشريع، أن يقدم التشريع إليهم مصحوباً ببيان حكمته والدواعي التي تقتضيه وتدعو إليه، أو الثمرات التي ترجى منه ويكون التشريع وسيلة إليها.
ومن هنا لا نكاد نجد تشريعاً في القرآن إلا وأردفه الله بحكمته وأرشد إلى فائدته، التي تعود على الناس في حياتهم ونظامهم، وانظر قوله تعالى بعد تشريع