/ صفحه 174/
ومما ورد في السنة المطهرة ـ تقريراً لأن المعول عليه هو القصد، فإن كان خيراً قبل وأثيب صاحبه عليه، وإن كان شراً رد على صاحبه وحمل ما فيه من وزر ـ قوله (صلى الله عليه وسلم): " الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة (1)، فما أصابت في طيلها (2) من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا (3) أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر، ورجل ربطها فجرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي له وزر ".
فالتصرف هنا في مال مملوك، وقد اعترفت الشريعة منه بغرضين وأنكرت غرضا. فالغرض الأول موافق لمصحلة الجماعة العامة من حيث هو تبرع بأداة من أدوات الجهاد في سبيل الله، ويترتب عليه مصلحه خاصة تابعة إلى المتبرع، إذا أن صلاح العامة سيعود عليه بجزء من الصلاح في نفسه وماله وأهله وسائر مرافقه، وإن كان هذا الحظ مغمورا في الحظ العام، ومثل هذا يرضاه الله تعالى، بل يستحبه ويندب إليه، لأن الأمم إنما تستقيم وتصلح إذا كثر فيها أمثال هؤلاء الأجود السابقين إلى المكرمات في سبيل الإصلاح العام. وصاحب الغرض الثاني، وإن كان ربط خيله ابتغاء مصلحة له وحظ من حظوظ الدنيا، فإنه مقبول محمود، لأنه احتفظ بمال ينميه ويدخر مصالحه ويبتغي به العفاف واتقاء عادية الزمان، وأن يستره الله فلا ينكشف بالحاجة إلى الناس، وإنما كان هذا قصدا حسنا موافقا لما يريد الشارع، لأن صلاح الأمة مستمد من صلاح أفرادها، والامة التي تتكون
*(هوامش)*
(1) المرج: ما أعد للرعي وفيه الكلأ والعشب، والروضة: ما أعد للتنزيه والترفيه، وفيه الماء والخضرة.
(2) الطيل: الطول ـ بكسر ففتح فيهما ـ هو الحبل الذي يطول به للدابة لتتمكن من الرعى مربوطة.
(3) استنت الفرس. عدت إقبالا وإدبارا. وشرفا أو شرفين: أي أو شوطين.
