/ صفحه 171/
قلت أرجو أن تستمر فيما نحن فيه... إن نقص الأرض من أطرافها حال مشهودة، فهي غير صادقة الاستدارة، ولكن قوله تعالى: " نأتي الأرض ننقصها " يشعر أن العمل ما زال قائما.
قال: لك في هذا وجهان.. فإن مقتضى طبيعة الأشياء أن تصدق الاستدارة على توالي كر الأيام والأعوام... فهي تدور.. وما تزال تدور إلى ما شاء الله، فشأنها أن تستكمل التدوير أو التكوير، ولكن سبحانه وتعالى ما يزال يأتيها ينقصها من أطرافها، هذا وجه. والثاني أن نقص الأرض من أطرافها لم يتم في لحظة أو يوم أو سنة أو قرن... إنه عمل تطوري اقتضى ألوف الألوف من السنين أو من القرون، فلست أدري ما يدريه المختصون بهذه الشئون، والعرب تعبر عن الفعل الماضي الذي استمر أو تكرر بصيغة المضارع. تقول: افعل كذا، أو قد أفعل كذا، يعني فعلت كثيراً وتكراراً: " قد أشهد الغارة الشعواء " يعني شهدها كثيراً " قد أترك القرن مصفرا أنامله " يعني فعل ذلك كثيرا " ولقد أجمع رجلي بها " يعني جمع رجليه على فرسه كثيرا " ولقد أعطيها كارهة، يعني ردها كثيرا إلى حومة الحرب وهي كارهة من شدة البأس، والأمثلة كثيرة في الأدب العربي وفي القرآن، وأكثرهم لا يفطن لها فافهم... نأتيها ننقصها: نأتي هنا من أفعال الشروع.. قلت: فهمت ولا داعي للإطالة.
قال: لو صبرت.. ولكنك عجول عجلة إضافية فوق المقول فيها: خلق الإنسان عجولا... إن الآيات التي استشهد بها الشيخ دراز ووجهة نظره في حاجة إلى التعقيب، ولست أدري: لماذا اخترت من بينها آية نقص الأرض من أطرافها؟
قلت: لأنها وحدها من جملة ما استشهد به قد يقبل رأيه فيها الأخذ والرد، فأما سائر الآيات فإن الأمر فيها شهود وليس تفسيرا على حد تعبيره.
قال: شهود وما أدراك ما الشهود؟ إنه من مصطلحات القوم والاستاذ العلامة محمد عبد الله دراز ـ طيب الله ثراه ولقاه نضرة وسرورا ـ من القوم إن لم تكن تعلم... هو من أعلام الشريعة والطريقة سواء. ألا تذكر ما كتب في رسالة الإسلام؟.
قلت: وأذكر كتابيه بالفرنسية عن القرآن، وأشهد أنه ليس لهما في المكتبة العربية نظير.
