/ صفحه 102/
المسلمين، لطال بنا القول، ولاحتجنا إلى مئات الصفحات، ولكننا نكتفي بناحية من نواحي عظمته، هي تلك الناحية التي تخص التقريب.
لقد كان رضي الله عنه إمام الشيعة الاثنا عشرية في أبرز حلقات هذا القرن الذي نعيش فيه، هو مرجعهم الذي إليه يرجعون، وكهفهم الذي إليه يأوون، وكان أعظم ما يشغله أن المسلمين ودينهم واحد، وربهم واحد، ورسولهم واحد، وكتابهم واحد، ما يزالون مختلفين تتقاطع شعوبهم، وتختلف طوائفهم، ويتنازع علماؤهم، والعالم من حولهم غير مكترث بهم، ولا ناظر إليهم إلا كما ينظر الصائد إلى فريسته، وربما أحس بخلافاتهم بعض رجال الاستشراق الذين هم في أغلب الامر رواد الاستعمار، فسرهم وأثلج صدورهم هذا الخلاف، وعملوا على زيادته، وتأريث نيرانه فيهم، حتى يظل أمرهم في ضعف وتأخر، وحتى يسهل ازدراد شعوبهم وثمراتهم ومرافقهم شعبا بعد شعب، وثمرة بعد ثمرة، ومرفقا بعد مرفق.
والذين فطنوا إلى هذا الخطر الداهم من علماء المسلمين وزعمائهم كثيرون في مختلف العصور، ولكن الذين اتخذوا في شأنه خطوات عملية، ورفعوا لواء الجهاد ليدرءوا عن الأمة شره، إنما هو أفراد معدودون سوف يأتي الوقت الذي يعرفون فيه، وتعرف جهودهم، وتوزن بميزان التاريخ أعمالهم الصالحة المجيدة التي كانوا وما يزالون يقومون بها في صمت ومثابرة وإنكار نفس واختفاء، وكان هذا الإمام العظيم منهم، وفي مقدمة صفوفهم.
لقد كان مركز امامته في " قم " تلك البلدة المباركة التي يتمثل فيها علم الشيعة الامامية الاثنا عشرية بإيران.
وكانت " قم " بمثابة خلية تضم مئات العلماء وطلاب العلم ورواد المعرفة الذين يفدون إليها أو يقيمون فيها ا قتباسا لبركاتها، والتماساً لعلم إمامها وبره، فكان رضي الله عنه لا يفتأ يبث هذه النفوس المتقبلة، والقلوب المتعطشة، دعوة الإسلام صافية كعهدها يوم كان الرسول صلوات الله عليه وآله يبثها، ويؤلف القلوب عليها، ويربط المؤمنين برباطها، وكانت غايته دائما هي أن يقر في قلوب تلاميذه ومريديه