/ صفحه 275/
وإباحة انتهاجه. ويسمون الثاني: مسموعاً، أو قليلا، أو نادراً، أو شاذاً، أو سماعياً، أو غير قياسي، أو ما شئت من أسماء تدل على قلتهن وتحريم محاكاته، وعلى حفظ ما ورد منه؛ كما يحفظ الأثر القديم بحاله.
ثم هم يطلقون على كلامنا المستحدث الذي نحاكي به كلام العرب الأوائل: " مقيساً " أو قياسياً " كذلك؛ ومن ثم يتردد على ألسنة النحاة وفي كتبهم كلمتا: " القياسي والسماعي " يريدون بالأول هنا ما جرى على كثير ما نطقت به العرب، وساير الشائع من لغتهم، ولو لم يكن الناطق به عربياً أصيلا. ويجعلون حكمه حكم الكلام العربي الأصيل في كل ما يختص به. ويريدون بالثاني: ما ورد من كلام بعض العرب الخلص مخالفاً للكثرة في بعض النواحي، ويحكمون عليه بأنه " يحفظ ولا يقاس عليه " كما أشرنا.
فكلا النوعين: " المقيس عليه، والمسموع " كلام عربي أصيلن غير أن الأوال فاز بالشيوع والكثرة، والاشتراك بين ألسنة عربية كثيرة أصيلة، وحرم الثاني تلك الخصيصة؛ فلم يجر إلا على ألسنة أصيلة قليلة، ولم يسمح بمحاكاتها.
فالكثرة هي سبب الخلف الواسع، ومنها نشأ التباين بآثاره البعيدة بين النوعين، فما المراد بتلك الكثرة؟ وما حدودها؟ إنها الكثرة العددية لا ريب، لكن أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة دون نظر لغيرها " بأن تشيع اللغة في القبيلة فلا يخالف فيها إلا فرد غير مجرح (1)، أو أفراد كذلك قليلة " ـ أم هي الكثرة بين القبائل " بوصفها قبائل " بأن تشيع خصائص لغوية في مجموعة قبائلها أكثر من قبائل مجموعة أخرى، من غير نظر لأفراد كل قبيلة وعددها؟ أتجري الموازنة من حيث القلة والكثرة بين القبائل الست المشهورة وحدها، أم تتجاوزها إلى غيرها، ولا تقتصر على الأوليات؟.
إن غموض هذه المسألة الرئيسية: مسألة القلة والكثرة، أوقع الباحثين قديماً وحديثاً في حيرة واضطراب مؤلمين؛ يصوب هذا ما يخطئه ذاك، ويبيح ذاك

ــــــــــ
(1) لأن المجرح لا يعتد بلغته في موافقة أو مخالفة، ومن أسباب التجريح الخبل والجنون والغفلة، ومنها (ضعف الذاكرة) والشهرة بالكذب أو المرض المذهل كما سبق.