/ صفحة 297 /
بنفسه غير محتاج في بقائه إلى غيره، بل قد أزيحت عله في جميع ما تتم به حياته خلقة وإلهاماً) نقول: إذا كان هذا حقاً بالنسبة للإنسان باعتباره فرداً من الأفراد، فهو حق كذلك بالنسبة للعالم الإسلامي في هذه الأيام؛ فليس قطر من الأقطار الإسلامية بقادر على أن يقف وحده أمام مشاكل الحياة العالمية، وما تضعه علينا من أعباء وتقيمه أمامنا من عراقيل، بل واقع هذه الحياة يفرض علينا، هذه الأيام أكثر من أي وقت آخر، أن تحقق (الوحدة) التي يدعو إليها الإسلام بكل ما جاء به من عقيدة وتشاريع ونظم عامة، وعلينا ان نواجه ـ بصراحة وشجاعة وإخلاص ـ العقبات التي تقف في سبيل هذه الوحدة، ونعني هنا العقبات الداخلية المذهبية التي تباعد بين البلاد الإسلامية، وذلك في رأينا غير عسير أو على ألأقل غير مستحيل إنا أردناه وعملنا له حقاً.
* * *
لقد أبنت فيما كتبت أن الإسلام هو دين الوحدة لا التوحيد فقط، الوحدة في العقيدة التي تقوم على عبادة إله واحد، في الرسالة التي كانت خاتمة رسالات الله للبشرية التي جاءت بها الأنبياء والرسل جميعاً، حتى إن من لم يؤمن برسالة من هذه الرسالات لم يكن مسلماً، ما دام القرآن يقول: (شرع لكم من الدين ماوصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى).
والوحدة في تطبيق التشريع الواحد على جميع طبقات الأمة على اختلافها، حتى يقول الرسول لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها؛ الوحدة في معايير الإخلاق ومقياس الفضائل، وفي هذا يقول القرآن: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ويقول الرسول: لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، وإذاً فليس يعرف الإسلام الاعتزاز بنبالة الولد وشرف الأصل ما لم يصدقه الفعل، إلى غير ذلك كله، مما يفرض (الوحدة) في كل نواحي الحياة.
هذا الدين الذي يقوم على التوحيد والوحدة كما رأينا، لا زال بيننا بمصدريه العظيمين: الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فما الذي جعلنا على ما نحن عليه