/ صفحة 296 /
بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعونة على إقامة الحدود، وحضور الأعياد والجمع، وتعليم الخير، فكل هذه الخلال قد خص الله بها أهل الحاضرة دون غيرهم، فلهذا نرى أنهم آثروهم بالأعطية الجارية دون من سواهم.
ولاولئك (يريد أهل البادية) مع هذا حقوق في المال لا تدفع إذا نزلت، وهي ثلاثة أوجه: أحدها: أن يظهر عليهم عدو من المشركين، فعلى الإمام والمسلمين نصرهم والدفع عنهم بالأبدان والأموال، أو تصيبهم الجوانح من جذوبة تحل ببلادهم فيصيرون منها إلى الحطمة(1) في الأمصار والأرياف، فلهم في المال المعونة والمواساة، أو أن يقع بينهم الفتق في سفك الدماء حتى يتفاقهم الأمر، ثم يقدر على رتق ذلك الفتق وإصلاح ذات البين، وحمل تلك الدماء بالمال، فهذا حق واجب لهم. فهذه الحقوق الثلاثة هي التي تجب لهم في الكتاب والسنة: الجائحة، والفتق، وغلبة العدو من المشركين، وعليها كلها شواهد في التنزيل والآثار … الخ.
هذه النزعة الاجتماعية الواضحة في الإسلام، التي استوحاها في آرائهم رجاله وهداته الأولون، حرية أن تلفتنا بقوة لأن نعمل على أن نكون حقاً أمة واحدة بدل ما نحن عليه الآن من التفرق أجناساً وألواناً وشيعاً ومذاهب، وهي نزعة نلمسها في كثير من أوامر الإسلام وتشاريعه، فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بدرجات، واجتماع كل أسبوع لأهل المحلة الواحدة واجب شرعاً، واجتماع مرتين لأهل البلد الواحد وما يتصل به من القرى شعيرة من الشعائر الدينية، واجتماع المسلمين عامة من جميع أقطار الأرض في البلاد المقدسة ركن من أركان الاسلام.
وإذا كان من الحق المشاهد، كما يقول مسكويه أحد فلاسفة الإسلام (2) أن الإنسان (لم يِخلق خَلقَ من يعيش وحده ويتم له البقاء بنفسه، كما خلق كثير من الوحش والبهائم والطير وحيوان الماء؛ لأن كل واحد من تلك خِلق مكتفياً
________
السنة الشديدة.
كتاب الفوز الأصغر ص62.