/ صفحة 21 /
ولقد كنت في "الباكستان" فرأيت في هذه البلاد لغات متعددة من الأوردية والباشتية والبنغالية والبلوجية وغير ذلك من اللغات المختلفة في بلاد واحدة، وقد اضطر هؤلاء الناس إلى التفاهم فيما بينهم، وقت احتلال الإنجليز لبلادهم، باللغة الإنجليزية، فكانت هي واسطة التخاطب بين ذوى اللغات المختلفة، وعرفت أن ذلك مما يعز على المسلمين هناك، ويؤلم نفوسهم، كما يعز على كل فريق منهم أن تكون لغة إحدى المقاطعات هي اللغة العامة بين جميع أهل البلاد، ولكنهم جميعاً يرحبون بأن تكون اللغة العربية، وهي اللغة المقدسة التي نزل بها القرآن الكريم هي اللغة السائدة بينهم، التي تقتلع لغة المستعمرين وتطردها من بلادهم. ولقد صارحني كثير من أولى الأمر هناك، من وزراء وغيرهم بأنهم يتقبلون أن تعم اللغة العربية بلادهم، ويودون لو أنها انتشرت فكانت لغة الاتصال بين جميع المقاطعات، وقد أنشأوا جمعية هناك للعناية باللغة العربية والدعوة لها وتيسير تعلمها، ورئيس هذه الجمعية هو وزير المعارف، وقد حضرت أحد اجتماعاتها، وكم كانت دهشتى عظيمة عند ما رأيت شبانا من أهل الباكستان يخطبون باللغة العربية، ويحفظون كثيراً من شعر المتنبى وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي وغيرهم، وهم أقوياء الأمل في انتشار هذه اللغة، وإقبال قومهم على تعلمها، وهناك بالفعل من يقوم بتدريس اللغة العربية للراغبين في تعلمها، وإن يكن ذلك في نطاق ضيق، وقد عنى بعض كبار الباكستانيين بوضع مؤلفات لتسهيل فهمها باللغة الأوردية والعربية. لذلك كان مما عرضته على ولاة الأمور في مصر حين كنت سفيراً لها في هذه البلاد أن ينشئوا معهداً للغة العربية هناك يشرف على ثلاث مدارس ابتدائية تتدرج فرقها حتى تكمل أربعاً في كل مدرسة، وهذا لا يكلف حكومتنا شيئا كثيراً كما أنه ليس بدعا ونحن نرى الجاليات الأجنبية في بلادنا وغيرها تنشىء معاهد ومداوس متعددة، كمدارس الإرساليات الأمريكية والفرنسية والإيطالية والإنجليزية، بل إن من سياسة مصر أن تمد البلاد الشقيقة بما تراه كفيلا بتحقيق التعاون وتقريب التفاهم من معلمين وغير هم كما تفعل مع العراق وسوريا ولبنان وأريتريا وغيرها، على أن من الممكن أن نستعين بالباكستانيين الذين يعرفون العربية فنجعلهم من المعلمين الذين نعتمد عليهم في انجاح هذا المشروع العظيم.