/ صفحه 319/
على أن المسلمين لو وجدوا سلاما لما حملوا سلاحا. أليس من حقهم أن يؤمنوا دعوتهم ويحموها ويدفعوا عنها خصومها؟ أليس من العدالة ـ وقد قرروا الحرية المطلقة للناس أجمعين ـ أن تتاح لهم الظروف لاستعمال حريتهم، وأن يمكنوا من الدعوة إلى الله في سلام؟ ثم إذا منعهم الناس من حقوقهم فحملوا السلاح لحماية أنفسهم ودعوتهم، قيل إنهم أهل جبروت!(1)
والحق أن القرآن الكريم هو أول أستاذ للعقل البشري. قررالحرية والأخوة والمساواة للإنسانية كلها. وجعلها عناصر لا بد منها لوجود الأمة الإسلامية، وربطها بالدين ربطا لا مجال للتخلص منه أو إهداره، إلا بالتخلص2 من الدين وإهدار تعاليمنه، وجعل هذه الحقوق الإنسانية هبة إلهية لامنحة بشرية، وجعلها فطرية من مقتضيات وحدانية الخالق ووحدة الأصل. لا مكتسبة بالثورات الشعبية، فاذا سولت للناس ظروفهم المدنية إلغاءها أو الحدمنها لدوافع مدنية وجدوا أنفسهم ملزمين بالحفاظ عليها، وفك عقلها لمقررات دينية! وهذه أول مرة يُكرّم فيها الإنسان، وتقرر فيها تلك المباديء بشكل يضمن للمجتمع الذي تسود فيه حياة أمن وسلام، وعدل ورخاء(2). وإذن فليس حقا ما يزعمه الزاعمون من أن ثورة الفرنسيين في القرن التاسع عشر الميلادى هى التي أعلنت "حقوق الإنسان" ولا يبعد ـ بل هذا هو اعتقادى ـ أن هذه الثورة قد استمدت ما أعلنته من تعاليم الإسلام! إذ أن "روسو" صاحب انجيل الثورة ممن تتلمذوا على مباديء الإسلام، وتوحى إلينا بذلك عباراته:"كان لمحمد آراء في منتهى الحكمة. وقد أحكم أطراف مذهبه السياسي، وكانت الحكومة في عهد خلفائه موحدة متينة الدعائم، ما احتفظت بالشكل الذي وضعه لها …".(3)

ـــــــــــ
(1) راجع القرآن والقتال للاستاذ الشيخ محمود شلتوت.
(2) راجع مقالنا الإسلام والحكم، في العددين الرابع والخامس من مجلة الشبان المسلمين "نوفمبر سنة 1946".
(3) العقد الاجتماعي. الكتاب الرابع. الفصل الثامن.