/ صفحه 296/
والحركة الذاتية، فبدت تلك العناصر كذلك متباينة في النضج والقدرة الهجومية، ولم يكن بينها من شبه سوى أن كلاً منها كان حلقة من سلسلة محيطة بالدولة الرومانية من جميع الجهات الأصلية في الجغرافياً. ولذا كان الجرمان مثلاً أول هذه العناصر استطاعة للانثيال والزحف نحو الأقاليم الرومانية في أوربا، طواعية لمؤثر اقتصادى بحت. وبينما كان الجرمان يقتطعون من الدولة الرومانية ما هو انجلترا، وفرنسا، وأسبانيا، وإيطاليا في العصر الحاضر، كان العرب في أوائل حركة مشابهة جد عليها عامل دين هو الإسلام، ولهذا اختلفت الحركة العربية الإسلامية عن الحركة الجرمانية الوثنية، ولم تشبهها إلا من ناحية الهجوم المشترك على أقاليم الدولة الرومانية.
ومما يدعو إلى الا لتفات هنا أن هاتين الحركتين التقاتا في إسبانيا، واصطدمتا أعنف اصطدام، فكانت الغلبة للحركة العربية المصطبغة بصبغة الدين، على حين كانت الهزيمة للجرمان الذين خلت حركتهم من ذلك الدافع البالغ. غير أن العرب لم يجاهدوا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا في بلاد سادت فيها الظلمات الروحية والمادية. بل كانت بلاد الدولتين الرومانية والساسانية التي غمرتها موجة الفتوح الإسلامية أحسن مكانا ورئيا من بلاد العرب، وكان بكل من هاتين الدولتين ثقافات وحضارات ونظم استمد العرب منها أدوات الحكم والإدارة حسبما اقتضته الشريعة الإسلامية. وبفضل ما استعمله العرب من هذه الأدوات التي وجدوها في البلاد المفتوحة استطاعوا أن ينجحوا نجاحهم الخارق في الحرب والسياسة.
وصفوة القول أن التاريخ في الشرق الأوسط بحاجة إلى عرض جديد على قواعد جديدة، وهذا لا يتأتى إلا بعد توفر المادة التي يستمد منها المؤرخون، وهى إحياء التراث الشرقى في جميع عصورة بإخراجه من ظلمة المخطوطات إلى نور المطبوعات، ودراسة الآثار الباقية دراسة مقارنة لبيان الوحدة التاريخية لهذا الشرق، على أن يكون تدريس ذلك كذلك في أسلوب جديد بروح جديدة تساعد على تكوين المواطن الشرقى في العصر الحديث؟